في أوقات الأزمات والإقصاء، تتجه جهود فرق أطباء بلا حدود أولًا إلى إنقاذ حياة الناس والتخفيف من معاناتهم. فنقدّم ما نستطيع من الرعاية مع زملائنا وشركائنا وداعمينا. لكن عام 2025 أظهر بوضوح أن الفجوات آخذة في الاتساع، وأنها تتجاوز ما يمكن لمنظمة إنسانية أن تسدّه وحدها. فعندما يتنصّل أصحاب القرار من مسؤولياتهم ويتخلّون عن إنسانيتهم المشتركة، تكون المجتمعات التي نخدمها من يدفع الثمن الأكبر.
وفي كثير من سياقات عملنا، لمسنا عجزًا واضحًا في المساءلة، بدأ بالإهمال ووصل إلى انتهاكات صارخة في القانون الدولي الإنساني. ففي نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول، أطلقنا نداءً عاجلًا لحماية المدنيين في الفاشر بالسودان من مجزرة تقودها قوات الدعم السريع، بعدما كان السودانيون وأطباء بلا حدود ومنظمات أخرى قد حذّروا من وقوعها. لكن هذا النداء لم يلقَ آذانًا صاغية.
ولم تلقَ آذانًا صاغية أيضًا نداءاتُنا المتكررة لحماية العاملين في المجال الإنساني في غزة بفلسطين، بعدما قتلت القوات الإسرائيلية ستة من زملائنا خلال العام. وفي جنوب السودان، دخل أسوأ تفشٍ للكوليرا في تاريخ البلاد عامه الثاني، في محطة قاسية لمرض يمكن الوقاية منه وعلاجه بسهولة.
ليس في مقدور أطباء بلا حدود إيقاف مجزرة أو صدّ غارة جوية، ولا أن تجهّز استجابة وطنية شاملة لتفشي مرض ما. لكننا نستطيع أن نقدّم الرعاية للمجتمعات التي تتحمّل تبعات غياب المساءلة، بما يخلّفه ذلك من خسائر بشرية، وتدميرٍ للمنازل، وانسدادٍ في الآفاق. ويذكّرنا عملنا في مختلف أنحاء العالم بأنّ الأنظمة والقوانين والبروتوكولات لا تحمي الناس من الأذى والمرض إلا عندما تُحترم.
وفي ظل هذا كلّه، قابَلَت بعض القيادات السياسية هذا العجز في المساءلة بعجزٍ مماثل في التضامن، إذ اتخذت قرارات تجاهلت إنسانيتنا المشتركة، ظهرت آثارها في تشديد القيود على الميزانيات والحدود. وفي عام 2025، لم يكن أي خفض في ميزانية منظمة إنسانية مجرد رقم في سجلّات المحاسبة، بل كان يعني انقطاع مياه الشرب عن أسر في هايتي، وحرمان مرضى من أدوية فيروس نقص المناعة البشرية في هندوراس، وتراجع خدمات رعاية الأمومة في جنوب السودان.
ورغم أنّ أطباء بلا حدود لم تتلقَّ سوى 0.96 في المئة من تمويلها من الحكومات في عام 2025، إلّا أننا نعمل في سياقات شهدنا فيها آثار سحب التمويل بشكل ملموس ومباشر. ففي أحد المستشفيات في الصومال، التقت فرقنا أهالي قطعوا مسافات تصل إلى 190 كيلومترًا لعلاج أطفالهم المصابين بسوء التغذية بعد إغلاق المرافق الصحية في مناطقهم.
وهذه ليست أمثلة معزولة؛ ففي مختلف أنحاء العالم، ضيّقت هذه السياسات اللاإنسانية هامش الخيارات المتاحة أمام الناس. لكننا لسنا مضطرين إلى القبول بها بوصفها واقعًا جديدًا لا مفرّ منه.
في مختلف أنحاء العالم، ضيّقت هذه السياسات اللاإنسانية هامش الخيارات المتاحة أمام الناس. لكننا لسنا مضطرين إلى القبول بها بوصفها واقعًا جديدًا لا مفرّ منه.
وعندما تبنّت إيطاليا سياسات على غرار نهج "الميناء البعيد" المصمّم لعرقلة عمليات البحث والإنقاذ في وسط البحر الأبيض المتوسط، أُجبرنا على تعليق أنشطتنا على متن سفينتنا "جيو بارنتس". وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، استأنفنا عملياتنا عبر سفينة "أويفون" الأصغر والأسرع، ما أتاح لنا العودة إلى البحر بوتيرة أسرع وإنقاذ المزيد من الناس. وهكذا تواصل فرق أطباء بلا حدود في مختلف أنحاء العالم ابتكار استراتيجيات لتقديم الرعاية على الرغم من السياسات اللاإنسانية.
وعندما أُعلن عن تفشّي إيبولا في سبتمبر/أيلول في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تحرّكت أطباء بلا حدود بسرعة، إلى جانب منظمة الصحة العالمية والسلطات الصحية المحلية والمجتمعات، لاحتواء التفشّي. وقد أتاح هذا التعاون، وجودة الرعاية المقدَّمة، إنقاذ الكثيرين، وذكّرنا بأنّ البروتوكولات لا تحمي الناس من الأمراض إلا عند تطبيقها. وقد أُعلن عن انتهاء التفشّي في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
رغم أننا لا نستطيع سدّ الفجوات التي يتركها أصحاب القرار السياسي، فإن كل فعلٍ إنساني يُحدث فرقًا ملموسًا.
إنّ العالم الذي نعيش فيه اليوم ليس خاليًا من المساءلة أو التضامن. ففي كل أزمة، يكون الجيران أول من يهبّ للمساعدة. ولا تستطيع أطباء بلا حدود أن تؤدّي دورها إلا بفضل أشخاص يتشاركون معنا القيم ذاتها ويدعمون عملنا. ورغم أننا لا نستطيع سدّ الفجوات التي يتركها أصحاب القرار السياسي، فإن كل فعلٍ إنساني يُحدث فرقًا ملموسًا. واليوم، ما زال عملنا قائمًا بفضل ملايين الأشخاص الذين يواصلون التزامهم بالمبادئ الإنسانية.
نتقدّم بجزيل الشكر لكل عاملٍ إنساني يواصل التضامن في وجه اللاإنسانية.