CAR: Conflict hits the countryside
جمهورية افريقيا الوسطى

تجدد النزاع يؤدي إلى نزوح مئات آلاف الأشخاص في جمهورية أفريقيا الوسطى

تجدد النزاع بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ ديسمبر/كانون الأول 2020. وخلال الأشهرالأخيرة، أصبح الوضع متقلبًا للغاية في العديد من المناطق الريفية في جميع أنحاء البلاد.

أجبر انعدام الأمن الناجم عن القتال والخوف من الهجمات إلى فرار الكثيرين باتجاه المدن الكبيرة. كما أثر العنف بشدة على قدرة المنظمات على توفير خدمات الرعاية الصحية.

أنشطة أطباء بلا حدود في جمهورية افريقيا الوسطى
يجري موظف لدى وزارة الصحة فحص الملاريا السريع لطفل في المركز الصحي الذي تدعمه أطباء بلا حدود في فرازلا في شمال البلاد. جمهورية افريقيا الوسطى، يونيو/حزيران 2021.
Igor Barbero/MSF

كانت نوديا في المنزل، على وشك النوم، عندما أصابتها الرصاصة الأولى في بطنها. وسرعان ما حطم إطلاق النار النافذة المجاورة للسرير حيث كانت تستلقي مع ابنتها البالغة من العمر عامين. سارعت نوديا وابنتها للاحتماء بجانب زوجها وطفلين آخرين كانوا ينامون على الأرض. بعد ذلك بقليل أضرم المهاجمون النار في منزلهم.

تنحدر نوديا البالغة من العمر 25 عامًا من قرية بلتونو الواقعة على مشارف بلدة كابو، في شمال جمهورية أفريقيا  الوسطى، بالقرب من الحدود مع تشاد. وكما هو الحال في أجزاء أخرى من جمهورية أفريقيا  الوسطى، شهدت هذه المنطقة ارتفاعًا ملحوظًا في أعمال العنف التي انتشرت مرة أخرى في جميع أنحاء البلاد، كما تمتلك جمهورية أفريقيا الوسطى بالفعل أحد أدنى المؤشرات الصحية في أي بلد في العالم.

ووفقًا لجيرانها، فقد هاجم ثمانية رجال مسلحين بأسلحة آلية مساء يوم 23 يونيو/حزيران بلتونو لمدة ساعة تقريباً. حيث قُتل أربعة أشخاص وأصيب أربعة آخرون وتم إحراق 15 منزلا بالكامل، وهرب معظم السكان البالغ عددهم 2,000 نسمة في أعقاب الهجوم.

لا بد أن المهاجمين ظنوا أننا قد متنا بالفعل عندما غادروا ... تركنا المنزل مشتعلًا واختبأنا في غابة قريبة. نوديا، امرأة نازحة من بلتونو

تقول نوديا، "لابد أن المهاجمين اعتقدوا أننا قد متنا بالفعل عندما غادروا المنطقة. بعدها تركنا المنزل مشتعلًا بالنيران واختبأنا في غابة قريبة. بالكاد استطعت المشي، وشعرت بألم في جميع أنحاء جسدي، ليس فقط بسبب إصابتي، ولكن أيضًا لأنني كنت حاملاً في الشهر الرابع. تمكن زوجي من الحصول على بعض الدراجات وبدأنا الرحلة إلى كابو في منتصف الليل".

استغرق الأمر ثلاث ساعات لقطع مسافة 13 كيلومترًا من بلتونو إلى كابو، على طول طريق ترابي مليء بالحفر المليئة بالمياه التي خلفتها العواصف المتكررة بسبب موسم الأمطار. ووفقًا لنوديا أثناء تعافيها من عملية جراحية في مستشفى أطباء بلا حدود في كابو، "حمل زوجي الأطفال وحملني أحد إخوتي. كان الأمر صعبًا للغاية وعانينا كثيرًا. على الأقل نحن على قيد الحياة، لكننا فقدنا كل شيء كنا نملكه. ليس لدي حتى ملابس الآن".

ومثل معظم جيرانها الذين فروا أيضًا من بلتونو، تقيم نوديا وعائلتها في كابو، وهي بلدة يقطنها أكثر من 60,000 شخص، نزح خمسهم من مناطق أخرى. واستقر معظمهم هنا في أعقاب فترات العنف السابقة، لكن المجتمعات النازحة حديثًا تتدفق بشكل مطرد منذ شهر أبريل/نيسان.

جمهورية أفريقيا الوسطى: النزاع يضرب المناطق الريفية
أحد العاملين في منظمة أطباء بلا حدود يتفقد منزلاً محترقاً في قرية بلتونو، على مشارف بلدة كابو، شمال جمهورية أفريقيا الوسطى. وبحسب السكان المحليين، هاجم رجال مسلحون بأسلحة آلية، مساء يوم 23 يونيو/حزيران، القرية لمدة ساعة تقريباً. جمهورية أفريقيا الوسطى، يونيو/حزيران 2021.
Igor Barbero/MSF

من الهجمات على المدن إلى انعدام الأمن في المناطق الريفية

في أواخر ديسمبر/كانون الأول، شن تحالف جديد من الجماعات المسلحة غير الحكومية هجومًا على حكومة جمهورية أفريقيا  الوسطى وسط انتخابات مشحونة نجح فيها فوستين أرشانج تواديرا لرئاسة البلاد.

ضم التحالف الفصائل المسلحة التي قاتلت بعضها البعض في السنوات السابقة. وتمكنوا من السيطرة بشكل مؤقت على بعض المدن الكبرى، وفي يناير/كانون الثاني، وصلوا إلى ضواحي العاصمة بانغي. ومع ذلك، في وقت لاحق من العام استعادت القوات الحكومية والقوات المتحالفة السيطرة على المناطق شبه الحضرية ودفعت بالمعارضة المسلحة إلى المناطق الريفية.

أصبح الوضع الحالي في المناطق الريفية المحيطة بالبلدات في جمهورية أفريقيا الوسطى متقلباً للغاية، وذلك بسبب الاشتباكات المتكررة بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة، والهجمات على القرى والتجاوزات المرتكبة ضد الناس.

وفي وقت متأخر من صباح أحد أيام شهريونيو/حزيران الماضي، أعطى بكاء وصراخ عشرات الأطفال الذين ينتظرون مع أمهاتهم ليتم تلقيحهم في مركز صحي في فرازالا، وهي بلدة صغيرة على بعد ساعتين من كابو، انطباعًا خاطئًا عن عدد المتواجدين هناك. ووفقًا لفايا<p>تم تغيير الاسم للحفاظ على الخصوصية.</p>، وهو عامل محلي في مجال الرعاية الصحية، فإن عددًا أقل بكثير من الناس يحضرون الآن من أجل المواعيد الطبية.

جمهورية أفريقيا الوسطى: النزاع يضرب المناطق الريفية
ممرضة من وزارة الصحة تلقح طفلاً في مركز صحي تدعمه منظمة أطباء بلا حدود في فرازلا، شمال جمهورية أفريقيا الوسطى، يونيو/حزيران 2021.
Igor Barbero/MSF

ويضيف: "في السابق، كان هناك المزيد من الأشخاص الذين يأتون من القرى المجاورة، لكن هذا انخفض بسبب انعدام الأمن. النساء اللواتي يعشن على بعد أربعة أو خمسة كيلومترات فقط يلدن الآن في المنزل بدلاً من المجيء إلى هنا. وبعض الناس يخشون حتى العمل في حقولهم أو صيد السمك أو الصيد. وفي بعض الحالات، تم تدمير الحقول بالفعل".

ويردف، "اعتدنا على نقل الكثير من المرضى بين فرازالا وكابو عبر الاعتماد على سائقي الدراجات النارية بآلية ابتدعتها منظمة أطباء بلا حدود، ولكن هذا ليس بالأمر السهل الآن". إذ تذكر فايا أنه مع اندلاع الاشتباكات، أخذ أفراد الجماعات المسلحة العديد من الدراجات النارية من الناس. وفي وقت لاحق، عندما استعادت القوات الحكومية والقوات المتحالفة السيطرة على هذه المنطقة، تم تقييد استخدام هذه المركبات على بعض الطرق الرئيسية، اعتقادًا بأن الأشخاص الذين يستخدمون الدراجات النارية يمكن أن يكونوا مقاتلين.

بعض الناس يخشون حتى العمل في حقولهم أو صيد السمك أو الصيد. وفي بعض الحالات، تم تدمير الحقول أصلاً فايا، عامل محلي في مجال الرعاية الصحية

في المناطق التي تكون فيها الدراجات النارية قادرة على التحرك، يتعرض الدراجون الذين يقدمون الأدوية المنقذة للحياة وينقلون المرضى والجرحى إلى المستشفى أحيانًا للهجوم والإصابة والسرقة تحت تهديد السلاح. وعادة ما تنسب الأطراف المتحاربة أعمال العنف هذه إلى عناصر خارجة عن السيطرة.

كما تعرض العاملون في مجال الصحة المجتمعية، المدربون على علاج الأمراض الشائعة، بما في ذلك الملاريا والإسهال، وفحص  سوء التغذية لدى الأطفال وإحالة الحالات الحرجة إلى المستشفى، للتهديد والاعتداء في المناطق الريفية.

الوصول إلى الرعاية الصحية مقيد

أجبر انعدام الأمن المستمر فرقنا على تعليق بعض الأنشطة الطبية بشكل دوري في المناطق المحيطة بكابو وبلدات أخرى، بما في ذلك باتانغافو وبامباري وبريا. وقد اشتمل ذلك في بعض الأحيان على زيارات إشرافية وإحالات للمرضى وعمل بعض العاملين في مجال الصحة المحتمعية، وهو أمر مثير للقلق بشكل خاص خلال موسم الأمطار، عندما تصل حالات الأمراض المهددة للحياة، مثل الملاريا، إلى الذروة.

نرى المزيد من المرضى الذين يعانون من إصابات ناجمة عن العنف، ولا سيما العنف الجنسي. بنجامين كولينز، مسؤول فريق أطباء بلا حدود الطبي في كابو

وفي الوقت نفسه، شهدت مستشفيات منظمة أطباء بلا حدود في المدن زيادة في عدد المرضى الذين يحتاجون إلى لعلاج مع وصول المزيد من النازحين. ووفقًا لمسؤول الفريق الطبي لمنظمة أطباء بلا حدود في كابو، بنجامين كولينز، "نرى أيضًا المزيد من المرضى الذين يعانون من إصابات ناجمة عن العنف، لا سيما العنف الجنسي".

حياة من النزوح المتكرر

على مدى الأشهر الثمانية الماضية، نزح مئات آلاف الأشخاص. ووفقًا للأمم المتحدة، أجبر أكثر من 1.4 مليون شخص في جمهورية أفريقيا  الوسطى الآن على ترك منازلهم، أي نحو ثلث إجمالي السكان، ونصفهم الآن لاجئون في البلدان المجاورة.

تانغوينا شيلا هي إحدى هؤلاء النازحين حديثًا. في نهاية شهر مايو/أيار، هربت مع زوجها وأطفالها الثلاثة من قريتها جمجانجا. وقد غادر معظم سكان جمجانجا البالغ عددهم 200 نسمة بعد تصاعد العنف والمخاوف من أنه مع تقدم الحكومة والقوات المتحالفة، ستنتقم جماعات المعارضة المسلحة من المجتمعات المحلية المتهمة بالتعاون مع الجهات الحكومية.

تانجوينا شيلا - نازحة من جمجانجا لقد عانيت كثيرًا طوال حياتي ... لقد كنت أنتقل لفترة طويلة بسبب الحرب ... فقدت ممتلكاتي وأرضي الزراعية وكل شيء ... لدي أطفال، لكني لا أعرف حتى كيف سأوفر لهم الطعام.
جمهورية أفريقيا الوسطى: النزاع يضرب المناطق الريفية

تقول تانجوينا "تركت كل ما لدي هناك. والآن لا أملك الطعام وعلي أن أتوسل للحصول عليه".

للأسف، لا شيء من هذا جديد بالنسبة لها. هذه هي المرة الثالثة التي يتم فيها تهجيرها قسرًا. حيث كانت المرات السابقة في عامي 2007 و 2012.

"لقد عانيت كثيرًا طوال حياتي. منذ أن كنت في السابعة من عمري. القصة نفسها تكرّر دائمًا. تقول تانجوينا: "لقد كنت أتنقل منذ فترة طويلة بسبب الحرب. لقد فقدت ممتلكاتي وأرضي الزراعية وكل شيء ... لدي أطفال، لكني لا أعرف حتى كيف سأوفر لهم الطعام."

تعيش تانجوينا الآن في أحد مخيمات النازحين في كابو، يسمى الموقع "ب". ويقدر منسق الموقع، جوتولوج أوجس، أن هناك أكثر من 4,200 شخص يعيشون هناك.

تركت كل ما لدي هناك. الآن لا أملك الطعام ويجب أن أتوسل للحصول عليه. تانجوينا شيلا - نازحة من جمجانجا

يتناوب الأطفال والنساء اللاتي يحملن أطفالاُ على ظهورهن عند نقطة جمع المياه لضخ المياه في أوعية. وفي مكان ليس ببعيد، يستمع بعض الأشخاص إلى أغنية في سانغو من تأليف فرقة موسيقية من بانغي تشجع الناس على غسل أيديهم بالصابون وسط جائحة فيروس كورونا، لكن ترتدي قلة من الناس الكمامات في المنطقة.

وفي الجوار يلعب الأطفال بالإطارات وكرة القدم المصنوعة من مواد بلاستيكية، ويحضر المراهقون بعناية أكياس الشاي الصغيرة للبيع ويطبخون بعض قطع اللحم على الجمر. كما تقوم بعض النساء بإعداد الطعام في أواني طهي معدنية على النار.

لا يمكن تمييز الموقع "ب" الآن إلى حد كبير عن باقي منطقة كابو، إذ أن معظم مئات المنازل الصغيرة المستديرة، المصنوعة من الطوب المجفف بالشمس مع أسطح مصنوعة من العشب، كانت موجودة منذ سنوات. مع إخلاء الناس للمنازل، يتم أخذهم بسرعة من قبل النازحين الوافدين حديثًا مثل تانغوينا، الذي حصل على كوخ يضم غرفة واحدة.

جمهورية أفريقيا الوسطى: النزاع يضرب المناطق الريفية
امرأة تضخ الماء في دلو عند نقطة جمع المياه في الموقع "ب" للنازحين في كابو، وهي بلدة في شمال جمهورية أفريقيا الوسطى، يونيو/حزيران 2021.
Igor Barbero/MSF

أمل ضئيل في التغيير

يحدث شيء مشابه في الموقع "ج"، وهو مخيم آخر للنازحين يقع في مكان قريب. حواء أحمت موجودة هنا منذ عام 2013، عندما اجتاحت الاشتباكات العنيفة حي PK13 في بانغي بين جماعات سيليكا وأنتي بالاكا المسلحة وعمليات الانتقام التي يجري تنفيذها من قبل كلا الجماعتين ضد المجتمعات هناك.

تقول حواء: "في ذلك الوقت، فقدت الكثير من عائلتي؛ أبي، أخي، العديد من أبناء أخي". كما تم إجلاء نحو 1,000 شخص على متن شاحنات من قبل المنظمة الدولية للهجرة. ذهب البعض إلى موين سيدو ووصل آخرون إلى كابو.

وتضيف، "في السابق، كنا نكسب عيشًا جيدًا كتجار. حتى أننا اعتدنا الذهاب إلى نجامينا في تشاد لشراء الملابس والسجاد والعطور وأشياء أخرى، وبيعها في بانغي. لكني الآن بالكاد أمتلك أي شيء. أحاول القيام بأعمال صغيرة، مثل تنظيف منازل الناس أو بيع الحطب، فقط من أجل البقاء على قيد الحياة".

أشعر بالألم عندما أرى أطفالي يكبرون وهم غير متعلمين، دون أن تتاح لهم فرصة الذهاب إلى المدرسة. ليس لأطفالي مستقبل على الإطلاق. حواء أحمت – مرأة نازحة من حي PK13

وعلى الرغم من ذكرياتها المتعلقة بالأحداث التي دفعتها إلى المغادرة، إلا أن حواء تفتقد بانغي وتود العودة إليها في يوم من الأيام، لكن لا يبدو هذا مرجحًا في المستقبل القريب. حيث تقول: "حتى لو كنت متفائلة، لا أعرف أين يكمن الحل لمشاكلنا. أشعر بالألم عندما أرى أطفالي يكبرون وهم غير متعلمين، دون أن تتاح لهم فرصة الذهاب إلى المدرسة. ليس لأطفالي مستقبل على الإطلاق".

تعمل منظمة أطباء بلا حدود في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ عام 1997. وتدير حاليًا 13 مشروعًا في بانغي وبريا وبانغاسو وبامباري وكابو وباتانغافو وباوا وبوسانغوا وكارنو، بالإضافة إلى فريق طوارئ متنقل. ومنذ اشتداد حدة النزاع في أواخر عام 2020، عملنا على ضمان استمرارية خدمات الرعاية في جميع مشاريعنا وأطلقنا مشاريع طارئة في المناطق المتضررة من النزاع في بوجيلا، وبوسيمبيلي، وبوار، وغريماري، ومبايكي، ودامارا، وبوالي، وديكوا، وليتون وكوانجو وإبي.

المقال التالي
جمهورية افريقيا الوسطى
تحديث حول مشروع 23 ديسمبر/كانون الاول 2021