ملخص:
- تراجع عدد المنظمات الإنسانية في مخيم أم راكوبة من نحو 35 منظمة إلى أقل من 10 بسبب نقص التمويل.
- يواجه اللاجئون والمجتمعات المضيفة نقصًا متزايدًا في الرعاية الصحية والغذاء والمياه وخدمات الحماية.
- أصبحت أطباء بلا حدود المزود الرئيسي للرعاية الصحية المتخصصة والخدمات الأساسية في المخيم.
- أدى النزاع في السودان والنزوح الجماعي إلى زيادة الضغط على الموارد والخدمات المحدودة في ولاية القضارف.
- تحذر أطباء بلا حدود من تفاقم الأزمة وتدعو إلى زيادة التمويل والاستجابة الإنسانية العاجلة.
في أنحاء السودان، أصبحت كلمة "شديد" هي القاعدة، إذ تعاني الكثير من المناطق من نقص في الرعاية الصحية والتغذية والمياه النظيفة وأساسيات العيش. ومع أن الاحتياجات أكثر حدة، يجب أن تصل الأزمات المحلية إلى مستويات شبه كارثية كي تجذب الانتباه وتستقطب تمويل الطوارئ.
لم يصل مخيم أم راكوبة للاجئين في شرق السودان بعد إلى عتبة الكارثة رغم ظهور الكثير من إشارات التحذير. فإذا مشيت في مستشفى المخيم فإن أكثر صوت تسمعه هو بكاء الأطفال حديثي الولادة أثناء الولادة أو أولئك الذين يتلقون علاج الملاريا وسوء التغذية وحالات الطوارئ الطبية الأخرى. وهو صوت يخترق كل شيء آخر.
يستضيف مخيم أم راكوبة اللاجئين الإثيوبيين منذ عام 2020، عندما اندلع نزاع في منطقة تيغراي الإثيوبية، ويتواجد في المخيم نحو 17,000 لاجئ، معظمهم من النساء والأطفال.
اقرأوا المزيد:
كانت أطباء بلا حدود حاضرة منذ بداية الاستجابة، فتقدم الدعم لمستشفى المخيم وتقدم الرعاية الطبية الطارئة، وعندما اندلعت الحرب في السودان في عام 2023، أصبح المستشفى أكثر بكثير من مجرد مرفق صحي للاجئين. فاليوم، أصبحت حوالي 80 في المئة من الاستشارات مخصصة للمجتمعات المضيفة السودانية، علمًا أنّ عدد السكان في المناطق المحيطة يبلغ نحو 100,000 شخص.
وفي هذا السياق، تقول مناسك، وهي امرأة سودانية تبحث عن الرعاية لكل من عمتها وطفلها في مستشفى المخيم، "جئت إلى هنا لأن ثلاثة أو أربعة مستشفيات في منطقتنا قد أغلقت. إلى أيـن يمكننا الذهاب؟ نحن بحاجة إلى مزيد من الدعم، ليس فقط للمجتمعات السودانية، ولكن أيضًا للاجئين".
المنظمات غير الحكومية تغادر الواحدة تلو الأخرى
في ذروة الاستجابة للاجئين في عام 2021، كانت حوالي 35 منظمة محلية ودولية تعمل في مخيم أم راكوبة ومحيطه. أمّا اليوم، فقد بقي أقل من 10 منظمات.
كان الكثيرون يعتمدون بشكل كبير على تمويل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ومع تقلص ميزانيات الجهات المانحة للقطاع الإنساني، تقلصت الخدمات كذلك.
هذا وتعدّ العواقب واضحة في كل قطاع، إذ يخبر قادةُ المجتمع بانتظام فرق أطباء بلا حدود عن تدهور إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية وخدمات الحماية والمياه والصرف الصحي والمساعدات الغذائية والتعليم.
كان يُطلق على السودان ذات مرة اسم سلة الغذاء في المنطقة. ومع ذلك، كنا نعالج كل يوم الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد. لم أر هذا المستوى من اليأس في حياتي المهنية.د. تانيا حاج حسن، طبيبة الأطفال في أطباء بلا حدود
وفي هذا الصدد، تقول منسقة مشروع أطباء بلا حدود في مستشفى المخيم، زيلي أنتييه، "تسمع فرق التوعية الصحية باستمرار مخاوف بشأن انخفاض الخدمات الأساسية. وتواصل المجتمعات وضع ثقة قوية في أطباء بلا حدود، لكنها تطالب بمزيد من المناصرة لمعالجة الفجوات المتزايدة. وغالبًا ما تفتقر المنظمات المحلية التي تدعم النساء والأطفال إلى الموارد اللازمة لتلبية الاحتياجات المتزايدة".
ويمتد التأثير إلى ما هو أبعد من الرعاية الصحية، فقد ضعفت مسارات إحالة الحماية للاجئين، لا سيما بالنسبة للنساء والأطفال، بما في ذلك القاصرين غير المصحوبين بذويهم. ويؤثر نقص المياه والصرف الصحي على المجتمع وعلى مستشفانا. وقد أبلغ اللاجئون عن انخفاض في المساعدات الغذائية، في حين أن انقطاع العلاج في مرافق الرعاية الصحية الأساسية يؤدي إلى مضاعفات طبية أكثر حدة بحلول الوقت الذي يصل فيه المرضى إلى أطباء بلا حدود.
ويؤدي غياب المنظمات الإنسانية إلى ترك المجتمعات أمام خيارات أقل في وقت تستمر فيه الاحتياجات في التزايد.
حرب على الموارد
رغم أنّ ولاية القضارف لا تعدّ خط مواجهة بالمعنى التقليدي، إلّا أنّها قد تحملت عبئاً ثقيلاً منذ بدء الحرب في السودان. ففي عام 2024، نزح أكثر من مليون سوداني من المناطق التي شهدت قتالاً عنيفًا، مثل الخرطوم وسنار والجزيرة، مما فرض ضغطًا هائلاً على الخدمات المحدودة فيها. وفي الوقت نفسه، فإن تفشيات الكوليرا قد فاقت قدرات النظم الصحية المحلية.
بالنسبة لكثير من الناس، أصبحت الأزمة حربًا على الموارد.
تتذكر طبيبة الأطفال في أطباء بلا حدود التي زارت القضارف قبل عام تقريبًا، الدكتورة تانيا حاج حسن، التنقل بالسيارة عبر الحقول الخضراء الخصبة في طريقها إلى المستشفى. فتقول، "كان يُطلق على السودان ذات مرة اسم سلة الغذاء في المنطقة. ومع ذلك، كنا نعالج كل يوم الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد. لم أر هذا المستوى من اليأس في حياتي المهنية".
وكان أكثر ما أدهشها هو فقدان الأمل بين العديد من الأمهات.
فتقول، " كانت المرة الأولى التي لاحظت فيها ذلك عندما أحضرت أم طفلها إلى قسم الطوارئ وهو في حالة حرجة للغاية. وبينما كنا ننعش الطفل، سألت عما إذا كان بإمكانها المغادرة. شرحنا لها أن الطفل قد يموت، وقد تقبلت ذلك ببساطة. أعتقد أن هذا يعكس كيف أصبحت وفيات الأطفال طبيعية بشكل مأساوي في السودان".
لا يمكننا الوقوف وحدنا
بعد مرور عام على زيارة الدكتورة تانيا، لا تزال العديد من التحديات ذاتها قائمة في المخيم.
لا تزال المساعدات الغذائية غير كافية، إذ يتلقى اللاجئون حاليًا حوالي 4 كيلوجرام من القمح للشخص الواحد شهريًا، وينخفض إلى حوالي 2.5 كيلوجرام في بعض الأشهر — مقارنة بحوالي 14 كجم في أوائل عام 2023، قبل اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان من ذلك العام.
لا يمكن للمجتمعات العيش على مجرد الوعود. نحن بحاجة إلى خدمات حماية أقوى، واستعادة الرعاية الصحية الأساسية، وزيادة الاستثمار في الخدمات الأساسية. يجب عدم نسيان اللاجئين ضمن أزمة السودان.محمد أحمد، رئيس بعثة أطباء بلا حدود
بالإضافة إلى ذلك، لا توجد مراحيض كافية ولا تزال أماكن الإيواء غير كافية وتستمر مخاوف الحماية في التزايد، ولا يزال خفض التمويل يؤثر على خدمات المياه والصرف الصحي والمأوى وأنشطة الحماية والرعاية الصحية الأساسية.
لا تزال أطباء بلا حدود المزود الوحيد للرعاية الصحية الثانوية والخدمات الشاملة للناجين من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي في المخيم. ولا يزال الوصول إلى رعاية فيروس نقص المناعة البشرية والسل والأمراض المدارية المهملة مقيدًا بشدة، في حين أن تفشيات متكررة للكوليرا والحصبة والملاريا والتهاب السحايا لا تزال تهدد المجتمعات الضعيفة.
وفي هذا الصدد، يقول رئيس بعثة أطباء بلا حدود، محمد أحمد، "في جميع القطاعات من الرعاية الصحية والحماية إلى المياه والصرف الصحي والغذاء والتعليم، يخبرنا الناس أنهم يشعرون بأنهم قد تم التخلي عنهم بشكل متزايد. بدون زيادة التمويل ووجود إنساني أقوى، سيستمر الناس في عيش معاناة يمكن الحيلولة دونها. ولا تستطيع منظمة أطباء بلا حدود وحدها تلبية هذه الاحتياجات".
وكانت أطباء بلا حدود قد دقت ناقوس الخطر أساسًا في القضارف، محذرة المنظمات الإنسانية ووكالات الأمم المتحدة من تدهور الظروف المعيشية والخدمات الأساسية في مخيم أم راكوبة ومحيطه. ومع ذلك، وعلى الرغم من علامات التحذير والاحتياجات المتزايدة، لم تتشكل خطة واضحة لتوسيع نطاق المساعدة.
تواصل المنظمات المحلية السودانية تقديم الدعم الضروري، وغالبًا ما يكون ذلك بموارد محدودة للغاية. وعلى الرغم من أنّ مساهمتهم ضرورية، إلّا أنّها لا يمكن أن تحل محل استجابة إنسانية ممولة بشكل كامل.
ويضيف أحمد، "إنّ مناشدتنا للمانحين والمنظمات الإنسانية هي مطابقة الأقوال بالأفعال. لا يمكن للمجتمعات العيش على مجرد الوعود. نحن بحاجة إلى خدمات حماية أقوى، واستعادة الرعاية الصحية الأساسية، وزيادة الاستثمار في الخدمات الأساسية. يجب عدم نسيان اللاجئين ضمن أزمة السودان".
لا يطلب سكان أم راكوبة التعاطف ولكنّهم يطالبون بالحد الأدنى الذي يستحقه كل إنسان: الرعاية الصحية والحماية وفرصة العيش بكرامة.
لا تزال صرخات الأطفال حديثي الولادة تملأ أجنحة مستشفى أم راكوبة. ويستمر وصول الأمهات اللاجئات وأفراد المجتمع المضيف طلبًا للرعاية.
والسؤال ليس ما إذا كانت هنالك احتياجات، بل ما إذا كان هنالك من هو على استعداد للاستجابة.