تشعر منظمة أطباء بلا حدود بقلق بالغ إزاء التصعيد الحاد في النزاع في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط، عقب الضربات التي شنّتها القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران، وما تبعها من هجمات انتقامية إيرانية في عدة بلدان.
في مختلف أنحاء المنطقة، أدّى تصاعد العنف إلى زرع الخوف لدى ملايين الأشخاص، بما في ذلك في لبنان وإيران ودول الخليج. رغم أن وقف إطلاق النار قد جلب راحةً للبعض، إلا أن فرقنا في إيران ولبنان تلاحظ أن إمكانية الوصول إلى الرعاية الطبية الأساسية ما زالت صعبة. فقد قُتل أو جُرح آلاف الأشخاص في أنحاء المنطقة، ونزح الملايين من ديارهم، غالبًا مرات عدة، وبحوزتهم ممتلكات قليلة أو معدومة.
تدعو أطباء بلا حدود إلى حماية المدنيين والمستشفيات والمرافق الصحية وغيرها من البنى التحتية الأساسية.
تعمل فرقنا على تكييف برامجنا و/أو الاستعداد للاستجابة في بلدان مختلفة، كما نتابع عن كثب الاحتياجات الإنسانية التي تتطور بسرعة.
كيف تستجيب أطباء بلا حدود في الشرق الأوسط
تعمل فرق أطباء بلا حدود في جميع محافظات لبنان التِّسْع، حيث تعمل على تعديل أنشطتها والاستجابة للاحتياجات العاجلة. وتدير فرقنا وحدات طبية متنقلة، وتدعم مراكز إيواء للنازحين، وتوزّع المواد الأساسية والمياه. كما نقدم الدعم للمستشفيات لرعاية الإاصبات البالغة والحالات الطارئة.
تقدم فرقنا من خلال العيادات المتنقلة لتوفير الرعاية الصحية العامة واستشارات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية وخدمات الصحة النفسية والإحالات في ثمانية من أصل تسع محافظات داخل لبنان، بما فيها بيروت، ونعمل أيضًا في عيادات ثابتة في محافظة بعلبك الهرمل وفي بيروت. لغاية 15 أبريل/نيسان، قدمت فرقنا أكثر من 21,800 استشارة طبية.
توزع فرقنا مواد الإغاثة الضرورية مثل مجموعات النظافة الصحية والبطانيات والمياه الصالحة للشرب. في محافظات الجنوب والبقاع وبعلبك الهرمل والنبطية، نتبرع بالوقود والإمدادات الطبية بالإضافة إلى تبرُّعنا بحزم الأغذية لموظفي المستشفيات الذين يعملون في المناطق المتضررة جرّاء النزاع.
وأطلقنا كذلك خطوطًا هاتفية لمساعدة الأشخاص الذين يعيشون معاناة كبيرة في مناطق نائية أو في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
تبقى أطباء بلا حدود على تواصل مع السلطات اللبنانية ومنظمات أخرى. وبعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، نواصل تكييف استجابتنا لتتناسب مع الاحتياجات المتغيرة للأهالي.
يأتي هذا التصعيد الأخير ضمن نمط مستمر من الهجمات، رغم ما سُمّي بـ "اتفاق وقف إطلاق النار" الأولي بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والذي جاء بعد القصف الإسرائيلي والتوغل البري في لبنان في سبتمبر/أيلول من العام نفسه. إلا أن هذا الاتفاق لم يوفّر منذ ذلك الحين أي أمان حقيقي للناس في لبنان، إذ أسفرت الضربات اليومية للقوات الإسرائيلية عن مقتل 370 شخصًا بين يوم ابتداء ما سّمّي بـ"وقف إطلاق النار" من نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ولغاية 2 مارس/آذار 2026.
وقد أسفر آخر تصعيد عن نزوح أكثر من مليون شخص. وبالنسبة للكثيرين، لم يكن هذا سوى الحلقة الأحدث في سلسلة من عمليات النزوح.
وقد أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء شاملة لمئات البلدات والقرى جنوب نهر الليطاني، إضافة إلى جنوب بيروت وأجزاء من سهل البقاع شرق البلاد. وتشمل أوامر الإخلاء هذه مجتمعة 14 في المئة من مساحة لبنان.
ولغاية 14 أبريل/نيسان، أصيب نحو 7,000 شخص ولقي أكثر من 2,100 شخص حتفهم خلال هذا التصعيد الأخير، وفقًا لوزارة الصحة.
بعد مرور أكثر من ثمانية أسابيع على تصعيد العنف في لبنان، الذي بدأ في الثاني من مارس/آذار، دخل وقف إطلاق نار مؤقت حيز التنفيذ في 17 أبريل/نيسان. وقد جلب هذا الوقف شعورًا هشًا بالارتياح، لكن الوضع لا يزال شديد الغموض. فبينما انخفضت حدة القصف في بعض مناطق البلاد، لم يوقف وقف إطلاق النار العنف، لا سيما في جنوب لبنان، حيث تستمر الهجمات الإسرائيلية وتواجه المجتمعات المحلية دمارًا واسع النطاق وتوغلات برية واحتلالًا.
تعرضت العديد من المدن والأحياء لأضرار بالغة، حيث تم تدمير البنية التحتية الأساسية - بما في ذلك المستشفيات والطرق وشبكات المياه - أو تضررت بشدة.
لا يزال الوصول إلى الرعاية الصحية محدودًا، إذ يلتزم بعض المرضى في جنوب لبنان منازلهم خوفًا من الذهاب إلى المستشفيات أو العيادات، كما أنّ العديد من المرافق الصحية مغلقة. ويشعر الطاقم الطبي لمنظمة أطباء بلا حدود بالقلق من أن يؤدي ذلك إلى تدهور صحة الناس، بمن فيهم المهاجرون واللاجئون والفئات المهمشة الأخرى، الذين ما زالوا يواجهون صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية.
استجابةً للاحتياجات المتزايدة للسكان منذ بداية التصعيد، تبرعت منظمة أطباء بلا حدود بأدوية ومستلزمات طبية لجمعية الهلال الأحمر الإيراني لتوزيعها واستخدامها. وتشمل هذه التبرعات مستلزمات رعاية الأطفال لـ 6,000 مريض، ومستلزمات جراحية لـ 2,500 مريض، ومستلزمات لعلاج الحروق لـ 40 مريضًا، ومجموعات طوارئ لـ 1,500 مريض، ومجموعات رعاية للعيادات الخارجية لـ 10,000 مريض. كما تبرعنا بمواد إغاثة أساسية، بما في ذلك 13,000 بطانية ومستلزمات نظافة شخصية لـ 5,000 شخص.
وبينما ركز مقدمو الرعاية الآخرون على معالجة الصدمات النفسية، وسّعت فرق أطباء بلا حدود أنشطتها لتلبية "الاحتياجات الخفية" التي تستمر خلال الحرب. وتقدم فرقنا المعنية بالرعاية الصحية العامة خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، وعلاج الأمراض المعدية، وإدارة الأمراض المزمنة، والإحالات إلى الرعاية المتخصصة، والدعم النفسي. كما تشهد الفرق تدهورًا في الصحة النفسية للسكان، نتيجةً لمعاناتهم جراء أسابيع من الحرب والنزوح وعدم اليقين.
في ذروة العنف، أجبرنا القصف المكثف على تعليق أنشطتنا مؤقتًا في عيادتنا بجنوب طهران. وقد أعيد افتتاح العيادة منذ ذلك الحين، علمًا أنّ منظمة أطباء بلا حدود قد حصلت على ترخيص لتشغيلها كمركز طبي متقدم، بهدف تعزيز قدرتنا على استقبال الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة للمرضى ذوي الحالات الحرجة. ومنذ وقف إطلاق النار، تضاعف عدد الاستشارات في العيادة، حيث يتلقى العلاج نحو 250 مريضًا يوميًا. هذا وتركز عيادتنا على تقديم خدمات الرعاية الصحية العامة للأشخاص الذين يواجهون صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية، مثل اللاجئين الأفغان، وقد وسعنا نطاق خدماتنا لتشمل جميع الإيرانيين.
ويُشار إلى أنّنا قد افتتحنا مؤخرًا عيادة ثانية في جنوب طهران لتحسين القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية العامة، إذ استقبلت العيادة أول مرضاها في 2 مايو/أيار. ونستقبل في هذه العيادة حاليًا نحو 100 مريض يوميًا.
تستمر أنشطة منظمة أطباء بلا حدود في مجال الرعاية الصحية العامة في كرمان ومشهد. وتظل هذه الخدمات ذات أهمية خاصة للاجئين الأفغان، الذين يواجه الكثير منهم عوائق كبيرة في الحصول على الرعاية الصحية. في كل من كرمان ومشهد، تستقبل منظمة أطباء بلا حدود نحو 150 مريضًا يوميًا.
نبقى على أهبة الاستعداد للتكيف وتوسيع نطاق أنشطتنا للاستجابة للاحتياجات الطبية المتغيرة، بالتعاون مع السلطات، في حال تصاعدت الأوضاع.
رغم تحسن الأوضاع بشكل تدريجي في ظل وقف إطلاق النار، لا يزال الكثيرون يعانون من صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.
وقد وضعت الحرب النظام الصحي الإيراني تحت ضغط هائل، إذ تعرضت المستشفيات والعيادات وسيارات الإسعاف ومرافق تصنيع الأدوية للهجوم أو التدمير. ولغاية 4 مايو/أيار، أكدت منظمة الصحة العالمية وقوع 26 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية. ونظرًا لاعتماد إيران الكبير على الأدوية المصنعة محليًا، فقد أثرت الأضرار التي لحقت بإنتاج الأدوية بشكل مباشر على إمكانية الحصول على الأدوية الأساسية. كما تعطلت خدمات الرعاية الصحية العامة بشدة خلال الحرب، إذ حولت وزارة الصحة وغيرها من المنظمات تركيزها نحو رعاية الإصابات البالغة.
ووفقًا لمصادر إنسانية، فقد تضرر أو دُمر أكثر من 125 ألف مرفق من البنى التحتية المدنية والخدمات الأساسية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومرافق الطوارئ. وحتى 10 أبريل/نيسان، تضررت منازل ما يقدر بنحو 300 ألف شخص بشكل مباشر. ووفقًا للحكومة الإيرانية، نزح نحو 3.2 مليون شخص، ويعيش الكثير منهم في مساكن مؤقتة مثل المدارس ودور الضيافة والمراكز الرياضية.
تستجيب فرق أطباء بلا حدود من خلال الاستعداد للطوارئ وللاستجابة في البلدان الأخرى في جميع أنحاء المنطقة، وقد أسّسنا فرقًا للطوارئ في لبنان وأرمينيا والعراق. وتشمل مقاييس الاستعداد التخطيط للطوارئ، ورصد الحالة الراهنة عن كثب، والتوفير المسبق للإمدادات الطبية، وإرسال الخدمات المتنقلة للاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وللتخفيف من أثر الاضطرابات الراهنة، نُقلت طرق الإمدادات إلى طرق بديلة بالرغم من كلفتها الإضافية، لضمان استمرارية الأنشطة الطبية. فمنذ 28 فبراير/شباط، شحنت أطباء بلا حدود 281 طنًّا من الإمدادات الطبية المتوجهة إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك العراق وإيران ولبنان وفلسطين وإسرائيل والأردن وسوريا واليمن.
يؤثّر هذا التصعيد على العمليات الإنسانية، إذ تخلق التوترات في المنطقة بيئة تتّسم بالتقلّب والانحصار المتزايد لعمليات أطباء بلا حدود رغم اختلاف مدى الأثر ونوعه بين بلدٍ وآخر.
بشكل عام، تُؤدي أزمة مضيق هرمز، والاضطرابات في البحر الأحمر، والقيود المفروضة على المجال الجوي، وتحويل مسارات الشحنات، إلى ارتفاع أوقات التسليم وتكاليفها في جميع سلاسل إمداد منظمة أطباء بلا حدود. وقد بدأت أسعار المواد الأساسية، بما في ذلك الناموسيات والقفازات الطبية، بالارتفاع.