Skip to main content
Destruction in Tyre/Sour after ceasefire
ساحل صور، جنوب لبنان، وما تكبّد من دمارٍ إثر 46 يومًا من هجمات إسرائيل في البلاد. لبنان، في أبريل/نيسان 2026.
© MSF

"الكل مقهور وزعلان": 46 يومًا تحت وطأة هجمات القوات الإسرائيلية

ساحل صور، جنوب لبنان، وما تكبّد من دمارٍ إثر 46 يومًا من هجمات إسرائيل في البلاد. لبنان، في أبريل/نيسان 2026.
© MSF

تتقدّم السيارات ببطء نحو جنوب لبنان، عابرةً جسر القاسمية الذي طالته الغارات الإسرائيلية، فيما تعود العائلات النازحة إلى مناطقها. وعلى جانبي الطريق، تمتد بساتين الحمضيات والموز على طول المدى. يتجه بعض العائدين إلى صور، المدينة الساحلية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بعد 46 يومًا من القصف الإسرائيلي والتي لا تزال موئل الذين لم يهجروها.

غيّر حجم الدمار الذي خلّفته الغارات ملامح المدينة وأثّر في حياة سكانها. فبينما تصطف أشجار النخيل على طول الواجهة البحرية للمتوسّط، وتنتشر قوارب الصيد على مقربة منها، نجد في المنطقة نفسها مبانٍ من عشرة طوابق انشطرت إلى نصفين بفعل القصف. وعوضًا عن المنازل والشوارع، حلّت حُفر يبلغ عمقها عدة أمتار، فيما تُركت سيارات مهجورة على قارعة الطريق، وقد مزّقتها الشظايا.

أُجبر معظم السكان على النزوح خلال فترة التصعيد، أما من قرروا البقاء، فقد عُزلوا بشدّة بعدما دمّرت الغارات الجسور الرئيسية التي تربط الجنوب ببقية البلاد، هذا واضطرّ العاملون في المجال الإنساني إلى الإخلاء، وواجهت الكوادر الصحية هجمات شبه يومية، فيما أجبر القصف المتواصل السكان على ملازمة منازلهم.

وعلى الرغم من الحس بالارتياح الذي جلبه وقف إطلاق النار لعشرة أيام، إلا أنّ هشاشته لم تبدّد حالة عدم اليقين، بما في ذلك صوت المسيّرة الإسرائيلية في الأجواء وأصداء الانفجارات قرب الحدود. لا يزال السكان يتساءلون عمّا إذا كانت الهجمات ستتجدد، وما إذا كانوا سيتمكّنون من الحصول على الغذاء والوقود والأدوية، وما إذا كانوا سيستطيعون العودة مجددًا إذا اضطروا إلى المغادرة.

معزولون، تحت القصف، ومحرومون من الرعاية الصحية

خلال 46 يومًا من الغارات الإسرائيلية، لم يبقَ السكان في الجنوب من باب الأمان، بل بقوا لأن المغادرة لم تكن ممكنة بفعل الكلفة وغياب المأوى والخشية من فقدان المنازل، والشعور بالمهانة المرتبط بالتهجير القسري. خلال التصعيد الأخير، كان كثيرون في صور ومحيطها قد نزحوا أصلًا من بلدات قريبة من الحدود الجنوبية نتيجة اقتحام القوات الإسرائيلية لمنازلهم، ولم يكونوا راغبين، أو قادرين، على خوض هذه التجربة من جديد.

وفي هذا الصدد، يقول حمد الدرويش، أمين سر اللجنة الشعبية لتجمع جل البحر الفلسطيني في صور، حيث نزحت عائلته عام 1948 إبان النكبة، "كنا هنا ولم نتحرك من هنا، الحمد لله رب العالمين. وعلى مدى 46 يومًا، كنّا محاصرين من دون أي من مقومات الصمود، ما من تموين ولا أي شيء، وعاش السكان بصعوبة شديدة".

على مدى 46 يومًا، كنّا محاصرين من دون أي من مقومات الصمود، لم يكن لدينا رعاية طبية أو أي شيء. حمد الدرويش، أمين سر اللجنة الشعبية لتجمع جل البحر الفلسطيني في صور

أدّت الهجمات على القطاع الصحي والقصف المتواصل من قِبل القوات الإسرائيلية إلى قطع الرعاية الصحية عن الناس، فقد شُنَّت غارات إسرائيلية على المنطقة، بعضها مع سابق إنذار وبعضها من دونه، وطالت مرافق صحية وسيارات الإسعاف أو وقعت في محيطها، وفيما غادرت معظم الجهات الدولية الجنوب بسبب تدهور الوضع الأمني، اضطرت مرافق صحية محلية بدورها إلى الإغلاق نتيجة القصف القريب. وبات السكان حبيسي منازلهم، فصاروا يتجنبون التجمّعات، بل ويُفرّقون بين أفراد الأسرة للحد من خطر القتل جرّاء القصف.

وتوضح الطبيبة في أطباء بلا حدود، د. عايدة حسّونة، "توقّف بعض المرضى عن تناول أدويتهم بسبب عدم توفّرها، كما آثروا صرف ما لديهم من موارد لتأمين الغذاء والمياه، وفي الوقت نفسه، يفتقر الناس إلى أيّ شعور بالأمان تجاه ما ينتظرهم في الأيام المقبلة".

الاجتياح البري للقوات الإسرائيلية يهجّر الناس قسرًا

شنت القوات الإسرائيلية اجتياحا بريًا في جنوب لبنان، نتج عنه ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي منطقة محظورة تحتل فيها القوات الإسرائيلية أجزاء من الأراضي اللبنانية، مما حال دون عودة سكان نحو 55 قرية إلى منازلهم. وفي ظل التدمير والهدم الذي طال قرى ومجتمعات بأكملها، بات الآلاف يرزحون تحت وطأة التهجير القسري.

أنشطة أطباء بلا حدود في لبنان
عيادة متنقلة من أطباء بلا حدود تزور الأشحاص في صور والمناطق المجاورة. تعالج الفرق المرضى الذين يعانون من تضاعفات في الأمراض المزمنة وغير السارية بسبب انقطاع العلاج الصحي، وتستجيب الفرق أيضًا إلى الاحتياجات المتزايدة للصحة النفسية. لبنان، في أبريل/نيسان 2026.
MSF

وتقول مريضة تتلقى الرعاية في عيادات أطباء بلا حدود، صالحة سرور، وهي وقد نزحت مرات عدّة أولها من بلدتها الحدودية عيتا الشعب، "الكل مقهور وزعلان لحال بلده، ونحن كذلك. هنا نسمع أصوات التفجيرات. فلمَ تُفجّر ضيعنا وبيوتنا؟ ولمَ الخط الأصفر والخط الأحمر والخط الأزرق؟ كنا نأكل من حول بيوتنا، الخس والنعنع والبقدونس، وكل شيء كنا نزرعه بالقرب من البيت. لا يصح أن يظل المرء كل الحياة هكذا".

وفيما واصل عاملو المجال الصحي في المنطقة عملهم طوال أشهر الحرب تحت وطأة ضغط هائل، ففرق أطباء بلا حدود في جنوب لبنان، بما في ذلك صور والنبطية، تواصل تقديم الرعاية الصحية الأولية والدعم النفسي ورعاية الصحة الجنسية والإنجابية، وتيسير الإحالات إلى الرعاية الصحية المتخصصة، فضلًا عن دعم المستشفيات في التعامل مع حالات الإصابات البليغة والطوارئ. هذا وتواصل أطباء بلا حدود دعوتها إلى توسيع عاجل لنطاق المساعدات الإنسانية وضمان وصولها من دون عوائق حيثما دعت الحاجة في مختلف أنحاء لبنان.
 

المقال التالي
لبنان
تصريح 17 أبريل/نيسان 2026