في عام 2025، نفّذت أطباء بلا حدود مشاريعها في 72 بلدًا، كان نحو ثلثها في سياقات تشهد نزاعات. ومنذ خمسين عامًا، حين بدأت المنظمة بتقديم الرعاية لجرحى الحرب خلال الحرب الأهلية اللبنانية، شكّلت الاستجابة لاحتياجات السكان المتضررين من الحروب والنزاعات جزءًا أساسيًا من عملها.
وفي السنوات الأخيرة، واصلت فرقنا صقل خبراتها ومهاراتها، مستندةً إلى عقود من العمل في سياقات النزاع في العراق والسودان واليمن وأفغانستان وفلسطين.
وقد عالج زملائي في هذه البلدان إصابات مدمّرة سبّبتها جروح ناجمة عن شظايا استقرّت في الأطراف إثر الانفجارات، وكسور مفتّتة تسبّبت بها الأعيرة النارية الحيّة. ولا تزال فرقنا تعمل بشكل فعّال في جميع هذه البلدان حتى اليوم.
وإلى جانب معالجة الإصابات الجسدية والنفسية الناجمة عن النزاعات، نواجه تهديدًا صحيًا آخر وأكثر خفاءً، يلي هذا النوع من الإصابات، ويتمثّل في العدوى المقاوِمة لمضادات الميكروبات.
تحدث مقاومة مضادات الميكروبات عندما تطرأ تغيّرات على البكتيريا أو الفيروسات أو الفطريات أو الطفيليات، وتقلّل من فعالية الأدوية المستخدمة لعلاج العدوى، مثل المضادات الحيوية. ونتيجةً لذلك، تصبح العدوى أكثر صعوبة في العلاج وتستمر لفترات أطول، كما تزداد احتمالات انتشارها أو تَسَبُّبها بأمراض خطيرة أو ببتر أطراف، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة.
تصبح العدوى أكثر صعوبة في العلاج وتستمر لفترات أطول، كما تزداد احتمالات انتشارها أو تَسَبُّبها بأمراض خطيرة أو ببتر أطراف، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة.
تتمثّل أبرز العوامل التي تؤدّي إلى ظهور هذه العدوى المقاوِمة للأدوية في محدودية الوصول إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية المدعَّمة بإجراءات فعّالة للوقاية من العدوى ومكافحتها، إضافةً إلى البنية التحتية التشخيصية والأدوية واللقاحات.
كما يُعدّ الإفراط في استخدام المضادات الحيوية أو إساءة استخدامها عاملًا رئيسيًا آخر. وقد لمسنا هذا الواقع في كثير من البلدان التي نعمل فيها، ومنها بلدان في جنوب غرب آسيا1، مثل العراق، حيث تُباع المضادات الحيوية غالبًا من دون وصفة طبية بدلًا من أن تُصرف حصرًا بناءً على وصفة من طبيب.
وفي غزة بفلسطين، أظهرت العيّنات التي جُمعت قبل ستة أشهر من احتجاجات مسيرات العودة الكبرى في عامي 2018 و2019 والأشهر الستة التي تلتها ارتفاعًا صادمًا بنسبة 300 في المئة في مقاومة المضادات الحيوية ضمن عمليات زراعة العظام والأنسجة2.
وتتحمّل البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل عبئًا غير متناسب من مقاومة مضادات الميكروبات، فيما تؤدّي النزاعات إلى تفاقم العوامل المسبّبة لها بدرجة أكبر3. ويعود ذلك إلى أنّ الأشخاص قد يعانون من ضعف في جهاز المناعة نتيجة التوتر وسوء التغذية خلال النزاعات، ما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى. كما تسهم ظروف الاكتظاظ في مخيّمات اللاجئين والنازحين في تسهيل انتشار البكتيريا المقاوِمة للأدوية.
إضافة إلى ذلك، كثيرًا ما تتعرّض المرافق الصحية للتدمير أو الأضرار خلال فترات النزاع، وتواجه نقصًا في الكوادر المدرّبة وأدوات التشخيص والأدوية، بما فيها المضادات الحيوية. ففي عام 2025، اضطُرَّت إحدى المستشفيات في أوكرانيا إلى استخدام مضاد حيوي واسع الطيف أثناء العمليات الجراحية بدلًا من التركيبة الموصى بها، لأنه كان مجانيًا ومتوافرًا عبر التبرّعات.
ومع إضعاف الحرب للأنظمة الصحية، تتعطّل حملات التطعيم، وتتراجع أنشطة الترصّد الوبائي. فتصبح الوقاية من الفاشيات واكتشافها أكثر صعوبة، وتتراجع القدرة على تتبّع أنماط المقاومة واتخاذ القرارات العلاجية المناسبة.
فكيف تستجيب أطباء بلا حدود لمقاومة مضادات الميكروبات؟ وكيف ينبغي أن نستجيب لها نحن، لا سيما في سياقات النزاع؟
يرتكز عملنا في هذا المجال على ثلاثة محاور متكاملة. يهدف المحور الأول، وهو الوقاية من العدوى ومكافحتها،
إلى الحد من انتشار البكتيريا. أما المحور الثاني، وهو ترشيد استخدام مضادات الميكروبات، فيسعى إلى ضمان استخدام المضاد الحيوي أو المضاد الميكروبي المناسب، بالجرعة المناسبة، وللمدة المناسبة، لمعالجة العدوى. ويُعد المحور الثالث، المتعلّق بالتشخيص والترصد، من أكبر التحديات التي تواجه جهود التصدي لمقاومة مضادات الميكروبات.
أُحرز بعض التقدّم خلال السنوات الأخيرة في تحسين التشخيص والترصد من خلال إدخال أداتين هما ميني لاب (MiniLab) وأنتيبيوغو (Antibiogo) على هذا المسار. و"ميني لاب" هو مختبر بكتريولوجي محمول ومبسّط، صُمّم ليتلاءم مع البيئات محدودة الموارد.
أما "أنتيبيوغو" فهو أداة تشخيصية تمكِّن فنيي المختبرات غير المتخصّصين من قياس نتائج اختبارات الحساسية للمضادات الحيوية وتفسيرها، وهي الاختبارات التي تحدّد مدى استجابة البكتيريا لأنواع مختلفة من المضادات الحيوية.
ونعزّز هذه الأنشطة الأساسية من خلال التوعية الصحية، وحملات التطعيم، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وأنشطة الدفاع والتغيير، والبحوث العملياتية.
إلا أنّ التطبيق الكامل لهذه التدابير يظل صعبًا في بيئات النزاع النشطة. ولذلك يُنفَّذ جزء كبير من عملنا بعد انتهاء النزاعات، عندما يصبح بإمكاننا دعم إعادة بناء المختبرات، وتزويد الصيدليات بالإمدادات، وتعزيز ممارسات ترشيد استخدام مضادات الميكروبات.
لكي تكون هذه الجهود أكثر فاعلية، ينبغي الاستثمار في التصدي لمقاومة مضادات الميكروبات قبل اندلاع النزاعات. ويشمل ذلك تعزيز الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات المياه وخدمات الصرف الصحي والتطعيم في البيئات الهشة، ولكن ليس ذلك فحسب.
ولكي تكون هذه الجهود أكثر فاعلية، ينبغي الاستثمار في التصدي لمقاومة مضادات الميكروبات قبل اندلاع النزاعات. ويشمل ذلك تعزيز الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات المياه وخدمات الصرف الصحي والتطعيم في البيئات الهشة، ولكن ليس ذلك فحسب، فعلينا أيضًا تكييف تدابير الوقاية من العدوى وترشيد استخدام مضادات الميكروبات مع الواقع المحلي، وتعزيز القدرات الأساسية في مجال علم الأحياء الدقيقة لفهم أنواع البكتيريا المقاوِمة المنتشرة. ومن شأن هذه الخطوات أن تتيح وضع بروتوكولات علاجية عملية وتعزيز الجاهزية للاستجابة عند اندلاع النزاعات.
وفي بعض السياقات، مثل غزة، كنّا أكثر استعدادًا للتعامل مع الإصابات الرضحية المعقّدة، لوجود أطباء مدرّبين لدينا وإمكانية الوصول إلى البيانات الميكروبيولوجية. أما في بعض مناطق السودان، فلم نكن قد طوّرنا هذا المستوى من الخبرة والمعرفة المحلية. وفي العديد من البلدان التي نعمل فيها، كجمهورية الكونغو الديمقراطية، ثمة حاجة إلى استثمارات أكبر. فبعض الدول لم تضع بعد خططًا وطنية للتصدي لمقاومة مضادات الميكروبات، بينما جهّزت دول أخرى هذه الخطط لكنها تفتقر إلى الموارد اللازمة لتنفيذها.
وفي جميع مشاريعنا في المناطق المعرّضة للنزاعات وعدم الاستقرار، نعتزم تعزيز استجابتنا لمقاومة مضادات الميكروبات. إذ نسعى إلى تطوير إرشادات مبسّطة، وتكييف الأدوات مع حالات النزاع، وتعزيز القدرات في مجال علم الأحياء الدقيقة في البيئات الهشّة. ويُعدّ الاستثمار الأوسع في التأهّب لمقاومة مضادات الميكروبات عنصرًا أساسيًا لتحقيق هذه الأهداف وتحسين نتائج المرضى الذين يعانون من إصابات رضحية مهدّدة للحياة.
تُشكّل مقاومة مضادات الميكروبات مشكلة عالمية لا تعرف حدودًا. ولذلك، يجب أن تكون جهود الوقاية منها عالمية النطاق لتكون فعّالة، كما أنّ الاستثمار في مكافحتها في البيئات الهشة يكتسي أهمية بالغة.
تقرير منظمة أطباء بلا حدود، العدسة المكسورة: مقاومة مضادات الميكروبات في السياقات الإنسانية، https://www.msf.org/ar/العدسة-المكسورة-مقاومة-مضادات-الميكروبات-في-البيئات-الإنسانية