Community approach in Angumu, DR Congo
جمهورية الكونغو الديمقراطيّة

توفير خدمات الرعاية الصحية من المجتمع إلى المجتمع

أنغومو هي منطقة جبلية تقع في مقاطعة إيتوي في شمال شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية على مقربة من الحدود الأوغندية. ويفرض الوصول إلى المجتمعات التي تعيش في هذه المنطقة النائية تحديات كبيرة. وتشبه الطرق القليلة التي تمر عبر الغابة الجبلية قيعان الأنهر الجافة، فهي غير مستوية ومليئة بالحجارة، مما يصعّب القيادة ويبطئها، وخصوصًا خلال موسم الأمطار حين تمسي بعض الطرق غير سالكة بسبب تجمّع الطين الكثيف.

وفي عام 2018، أجبر العنف والكوارث الطبيعية في المناطق المجاورة عشرات آلاف الأشخاص على الانتقال إلى أنغومو، حيث التجأوا إلى المناطق القريبة من القرى والمجاورة للطرقات، ما أدى إلى إنشاء عدد كبير من مخيمات النازحين التي يضمّ كل منها آلاف الأشخاص.

وبحسب تقديرات فرقنا، أُجبر أكثر من 42,000 شخص على ترك منازلهم بحثًا عن الأمان، لذلك قررنا إطلاق استجابة طارئة. وقد ارتفع عدد النازحين في أنغومو بشكل كبير ليصل إلى نحو 80,000 نازح حاليًا.

أنشطة أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية
المعقبون المجتمعيون يراقبون تعافي طفل يعاني من سوء التغذية في مخيم أغودو زي للنازحين. جمهورية الكونغو الديمقراطية، في أغسطس/آب 2021.
Gabriele François Casini/MSF

توفير خدمات الرعاية الصحية بالقرب من الناس

يتذكر رئيس بعثة أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية، فريدريك ماننتسوا، بداية الاستجابة، ويقول، "شهدنا عند وصولنا عددًا مرتفعًا من الأشخاص المصابين بالملاريا المترافق بمعدل وفيات مرتفع. كما لاحظنا أنّ الناس كانوا يواجهون صعوبة في الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأساسية لأنّ المنطقة جبلية ونائية جدًا. وبما أنّ الناس غير قادرين على الوصول إلى مرافق الرعاية الصحية، كان علينا توفير خدمات الرعاية الصحية بالقرب من الناس".

ومن أجل القيام بذلك بطريقة مستدامة، عملت فرقنا مع وزارة الصحة على تنفيذ مشروع يقوم على الإشراك المجتمعي المكثّف. وفي هذا الصدد، يقول ماننتسوا، "يركز المشروع على مقاربة مجتمعية مطورة تتيح لأفراد المجتمع  الإمساك بزمام الأمور لتلبية احتياجاتهم الصحية الشخصية. ونشهد مشاركة واسعة من قبل وزارة الصحة وأفراد المجتمع إذ يعدّون بمثابة شركاء لنا بدلاً من طرفٍ يتلقى المساعدات. كما يضطلعون بالمسؤولية المرتبطة بالصحة ويشاركوننا المسؤولية في المشروع".

نشهد مشاركة واسعة من قبل وزارة الصحة وأفراد المجتمع إذ يعدّون بمثابة شركاء لنا بدلاً من طرفٍ يتلقى المساعدات. كما يضطلعون بالمسؤولية المرتبطة بالصحة ويشاركوننا المسؤولية في المشروع. فريدريك ماننتسوا، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية

يعتمد هذا النظام على ثلاثة عناصر أساسية. يعدّ المعقبون المجتمعيون العنصر الأول ويتمثّل دورهم في التثقيف المجتمعي حول مختلف المشاكل الصحية، كالنظافة الصحية الجيدة والتنظيم الأسري؛ وكيفية الوقاية من الأمراض على غرار الملاريا والإسهال وما يمكن القيام به في حال إصابة شخص ما؛ والخدمات الطبية المتوفرة لديهم في المنطقة.

ويأتي دور المعقبين في الموقع الصحي كعنصر ثان في حال احتاج شخص ما إلى الرعاية الطبية. وقد دُرّب المعقبون في الموقع الصحي على كيفية الاستجابة لحالات الملاريا وسوء التغذية والإسهال، ويمكنهم إعطاء العلاج على الفور أو إحالة الناس إلى المرافق الصحية المتقدمة.

وتشكّل لجان إدارة الموقع الصحي التي تنسق جميع الجوانب العملية والإدارية المتعلقة بالموقع الصحي العنصر الثالث من هذه المقاربة. والجدير ذكره أنّ جميع العاملين الصحيين المجتمعيين هم متطوعون منتخبون من قبل مجتمعاتهم. وتتعاون أطباء بلا حدود مع وزارة الصحة لتدريبهم ومراقبتهم ودعمهم.

ويقول مدير الأنشطة التمريضية في أطباء بلا حدود في أنغومو، ديفيد ماهومو نيانكويو، "عند وصولنا، واجهنا عددًا مرتفعًا من الحالات الشديدة لأنّ الناس كانوا يصلون إلى المستشفى في حالة حرجة للغاية. أما الآن، فقد أصبح أفراد المجتمع أكثر وعيًا ويطلبون الرعاية بسرعة، إذ أصبحوا على دراية بنظام المواقع الصحية المجتمعية الذي وضعناه، فيلتمسون الرعاية الطبية بشكل سريع قبل تقدّم مرحلة المرض وقد أدى ذلك إلى انخفاض ملحوظ في عدد الوفيات".

أنشطة أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية
معقبة مجتمعية في الموقع الصحي داخل مبنى الموقع الصحي في مخيم غاتكوار للنازحين. جمهورية الكونغو الديمقراطية، في أغسطس/آب 2021.
Gabriele François Casini/MSF

التركيز على الوقاية

إنّ الوقاية الصحية مهمة للغاية، فقد استوطنت الملاريا في المنطقة، كما يعاني الناس من ظروف معيشية هشة.

يعيش باسكال في مخيم النازحين أوغودو زي وانتخب كمعقب مجتمعي من قبل مجتمعه. ويقول، "أزور المنازل واحدًا تلو الآخر لتثقيف الناس حول الممارسات الجيدة للوقاية من الأمراض. وتعود الكثير من المشاكل إلى المياه التي لا تخزّن بشكل صحيح، والتي تتعرض للتلوث وتمسي بؤرة لتكاثر البعوض، وتسبب الإسهال ومشاكل صحية أخرى. وفي بعض الأحيان، نجمع الناس لنحدّثهم عن التلقيح والتنظيم الأسري ومعايير القبول في المراكز الصحية. أنا فخور بالعمل الذي أقوم به ويقدّر مجتمعي ذلك، إذ تحدث ممارسات النظافة الصحية والمعلومات المناسبة فرقًا كبيرًا".

ويدعم مسؤولو التوعية الصحية في أطباء بلا حدود المعقبين المجتمعيين، فيدربونهم ويراقبون عملهم.

كما تساعد هذه المقاربة فرقنا على مراقبة انتشار الأمراض على المستوى المجتمعي. ويقول ماننتسوا، "يساعدنا ذلك على المراقبة المبكرة والتنبه إلى أي إشارات مسبقة، لنستطيع الاستجابة في الوقت المناسب ونمنع تفشي الأمراض وحدوث حالات الطوارئ الأخرى، أو تقليل الاستجابات الطارئة لأقصى حد ممكن".

أنشطة أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية

تقديم الدعم للمرافق الصحية

تمثل فرقنا نحو 35 في المئة من نسبة الطواقم العاملة في المراكز الصحية ومستشفى أنغومو الإقليمي وتدعم طواقم وزارة الصحية المحلية في عملها. ونقدم علاج الملاريا وخدمات الرعاية النفسية والرعاية الإنجابية على غرار التنظيم الأسري وعلاج حالات الملاريا المتوسطة لجميع الفئات العمرية.

بالإضافة إلى ذلك، نوفر الدعم للناجين من العنف الجنسي بالتعاون مع لجان الحماية المتواجدة في جميع المواقع المخصصة للنازحين التي تقدم الدعم للناجين من العنف الجنسي. فرّت فرجيني من النزاع في منطقة موسنغوا ووصلت إلى أوغودو زي منذ سبعة أشهر، وقد أصبحت الآن أحد أعضاء لجنة الحماية في الموقع.

تقول فرجيني، "تعتبر النساء من أكثر الفئات المعرضة للخطر في مخيمات النازحين المكتظة كما تتكرر حوادث العنف الجنسي. وعليه، نعمل بالتعاون مع المعقبين المجتمعيين ونوجه الناجين إلى المعقبين في الموقع الصحي الذين يتواصلون مع أطباء بلا حدود لكي يتلقى كل منهم الرعاية الطبية والدعم النفسي. ويتم كل هذا بسرية تامة ويحظى ذلك بأهمية كبيرة بسبب تعرّض الناجين في الغالب إلى وصمة العار".

أنشطة أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية
مسؤول التوعية الصحية في أطباء بلا حدود يقود حصة تدريبية للجنة إدارة الموقع الصحي المجتمعي في مخيم باجن للنازحين في منطقة أنغومو الصحية.
Gabriele François Casini/MSF

ينبغي تعميم الإشراك المجتمعي على جميع المستويات

لا ينحصر التعاون مع المجتمع في الأنشطة التوعوية أو إدارة حالات المرضى المصابين بالملاريا والإسهال وسوء التغذية، بل يتضمن كذلك بناء المرافق والبنى التحتية بما في ذلك المواقع الصحية المجتمعية والمراحيض والآبار وتوزيع المواد الأساسية كالصابون والناموسيات وإدارة الأدوية في المواقع الصحية المجتمعية.

وشهد مدير التوعية الصحية في أطباء بلا حدود في أنغومو، عبد الرحمن بوديان، التغيرات التي أحدثتها هذه المقاربة، ويقول، "عندما بدأنا الاستجابة، كانت المنظمة تقوم بكل شيء ويتضمن ذلك نقل المياه للمجتمعات. وقد استطعنا اليوم تمكين المجتمع، إذ تُنجز جميع أعمال البناء والجهود اللوجيستية بمساعدتهم".

وتواصل أطباء بلا حدود تعزيز قدرة المجتمع على الصمود لمواجهة الشدائد وليصبحوا مستقلين في إدارة جميع أوجه صحتهم.

لقد لاحظنا الفرق عند مقارنة أعداد الوفيات في أنغومو التي أحصيناها عند وصولنا بالأعداد الأخيرة. لم يكن الوضع ليتغيّر لولا النظام الذي وضعناه... أظنّ أنّ هذا النوع من المشاريع يحظى بمستقبل واعد، لذلك علينا تطويره والاعتماد على كل ما تعلمناه. فريدريك ماننتسوا، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية

إنّ فريدريك ماننتسوا سعيد بالنتائج لغاية الآن، "لقد لاحظنا الفرق عند مقارنة أعداد الوفيات في أنغومو التي أحصيناها عند وصولنا بالأعداد الأخيرة. لم يكن الوضع ليتغيّر لولا النظام الذي وضعناه. وقد أصبح التعاون بين أطباء بلا حدود ووزارة الصحة والمجتمع في أنغومو متينًا ومستقرًا".

ويضيف، "أظنّ أنّ هذا النوع من المشاريع يحظى بمستقبل واعد، لذلك علينا تطويره والاعتماد على كل ما تعلمناه لأنني أعتقد بأنّ هذه هي إحدى أفضل مقاربات أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية. كما أنّه لا ينبغي علينا أن ننسى أنّ نحو 80 في المئة من المجتمعات تعيش في المناطق الريفية حيث تعدّ إمكانية الحصول على الرعاية الصحية محدودة جدًا. لذلك، يبدو هذا النوع من المقاربات المجتمعية الأنسب لتلبية الاحتياجات الصحية للناس".

المقال التالي
رعاية الإجهاض الآمن
مقال رأي 28 سبتمبر/أيلول 2021