Maternal and newborn healthcare in Al Qanawis
اليمن

الرصاص ليس القاتل الوحيد للناس

أنظر إلى النجوم وأنا على سطح بيت أطباء بلا حدود في مدينة القناوص التابعة لمحافظة الحديدة في شمال غرب اليمن، وأفكر كيف أننا جميعاً نرى السماء ذاتها رغم أن حياة المرء تختلف باختلاف المكان الذي يرى منه هذه السماء. أنا في بلد جميلة غنية بتاريخها، لكن الحرب اليوم تدمرها.

قد يخال إلينا بأن جراح الحرب جراح جسدية خطيرة يقع ضحاياها بفعل القنابل والأعيرة النارية والقصف. لكن ما لا يدركه الكثير من الناس هو أن الحرب تأتي بمآسٍ خفية لا نهاية لها إلى جانب الأذى الجسدي. وما القناوص والمناطق المحيطة بها إلا مثالٌ على هذا.

إذ نستقبل كل أسبوع عشرات الأطفال حديثي الولادة في مستشفى الأم والطفل الذي تدعمه منظمة أطباء بلا حدود في القناوص، حيث يكافح هؤلاء الرضع للبقاء على قيد الحياة وهم ليسوا سوى ضحايا لما فعلته هذه الحرب ببلدهم. فقد كانت محافظة الحديدة ولا تزال واحدةً من أنشط مناطق القتال في اليمن منذ أن اندلعت الحرب قبل ست سنوات، غير أن الكثير من مرضانا يأتون من قرى نائية تقع في مناطق شبه صحراوية وليس من مناطق جبهات القتال، حيث أنهم لا يسمعون في العادة أصوات إطلاق النار والضربات الجوية والقصف، لكن رغم هذا يشعرون بأنهم يعيشون في حرب كل يوم.

أنشطة أطباء بلا حدود في اليمن
تستلقي الأم زعيمة الحسين مع طفلتها عايشة في جناح ما بعد العمليات الجراحية في مستشفى الأمهات والأطفال في القناوص في محافظة الحديدة الذي تدعمه أطباء بلا حدود. اليمن، في أغسطس/آب 2021.
Nasir Ghafoor/MSF

وأدرك حين أتحدث إلى المرضى بأنهم لا يحصلون على خدمات الرعاية الصحية والطعام والماء والمأوى الآمن والتعليم. والكثير منهم يلاقي حتفه بسبب أمراض يمكن علاجها والوقاية منها تماماً لو أنهم استطاعوا الوصول إلى مستشفى مجهزٍ بما يلزم من الطواقم والأدوية. ولهذا فإن الأكثر تضرراً هم الأضعف، أي الأطفال والنساء الحوامل والمسنّون وأصحاب الأمراض المزمنة، علماً أن أولى آثار الحرب تظهر على النظام الصحي. وفي حال اليمن التي كانت بنيتها التحتية لخدمات الرعاية الصحية ضعيفة أساسًا وجدناها تداعت تحت وطأة الحرب.

رحلة ملحمية للحصول على الرعاية الصحية

يسعى الناس لتأمين أفضل حياة لعائلاتهم أينما كانوا، ودون أن يستسلموا. وهذا الأمر ينطبق على اليمن التي نجد فيها الأهل يبيعون كل ما يملكون في سبيل أن يرسلوا أطفالهم إلى بلد آخر أملاً في أن يعيشوا حياةً طبيعية ويحصلوا على الرعاية الصحية والتعليم ويجدوا عملاً.

أنشطة أطباء بلا حدود في اليمن

فالأمور البسيطة في اليمن كالذهاب إلى المستشفى قد تكون بمثابة رحلة ملحمية. إذ قابلت العديد من المرضى الذين واجهوا تحديات هائلة كي يحضروا طفلهم المريض إلى المستشفى كما هو حال والدَي لطيفة التي كان عليها الكفاح في هذه الحياة منذ أن أبصرت النور.

تعيش والدتها وعائلتها في قرية صغيرة نائية لا تتوفر فيها الرعاية الصحية. كما انهارت العديد من المراكز الصحية في منطقتهم حين بدأت الحرب، حيث أنها إما تعرضت للدمار أو هجرها طاقمها الطبي أو أقفلت أبوابها ببساطة في ظل غياب الأدوية والمعدات. وحين حملت الأم فاطمة، لم يكن هناك أي مركز صحي قريب منها. لكنها مرضت ولم تكن تملك الوقت ولا المال لتأمين مواصلاتٍ تنقلها إلى مركز للرعاية الصحية.

وحين بدأت تقلصات المخاض فجأة وقبل أوانها بكثير في أحد الأيام، خافت فاطمة على جنينها. أرادت أن تذهب إلى المركز الصحي لأنها كانت تعلم أن الوقت كان مبكراً وقد يكون طفلها في خطر. لكن لم يكن ثمة متسع من الوقت ووضعت في البيت وليداً صغير الحجم ويعاني من مشاكل في التنفس.

هناك أمهاتٌ يصرخن ألماً ومواليدٌ جدد يأخذون آخر نفس لهم في هذه الحياة وكل هذا ببساطة لأنهم لا يحصلون على الرعاية الطبية البسيطة والأساسية. مونيكا كوستيرا، طبيبة أطفال في أطباء بلا حدود

كانت بعيدة عن المستشفى ولم ينجُ طفلها. وكانت الأم لا تزال تعاني من ألم فقدان طفلها حين أدركت أن الولادة لم تنته وأنها كانت حاملاً بتوأم دون أن تعرف لأنها لم تخضع لفحص طبي.

استجمعت فاطمة قواها ومواردها كي تصل إلى أقرب مركز صحي يقدم الرعاية للأمهات والأطفال ألا وهو مستشفى أطباء بلا حدود في القوانص الذي يبعد ساعات عن بيتها. لكنها نجحت لحسن حظها في الوصول إلى مستشفانا في الوقت المناسب ووضعت مولودتها الثانية لطيفة.

بقيت لطيفة في المستشفى لمدة شهرين بسبب نقص وزنها عند الولادة،  وسرعان ما أضحت مصدراً لحب وعطف الفريق بأكمله. وعندما حان موعد خروجها شعرتُ بالفخر بها وبعملنا وبتفاني الفريق وحبّه. وآمل أن تأتي لطيفة بالأمل لأسرتها ومجتمعها وبلدها التي مزقتها الحرب. كما آمل أن تحلّي هذه الطفلة حياة كل من يقابلها كما فعلت بنا.

نقص الرعاية الصحية الأساسية قد يكون قاتلاً

تعتبر مضاعفات الولادة المبكرة السبب الرئيسي لوفيات المواليد الجدد في هذا الجزء من اليمن. وثمة عوامل خطر عديدة ومتنوعة للخداج وانخفاض الوزن عند الولادة، مع أنه يمكن الوقاية من الكثير منها أو علاجها إذا ما توفرت الرعاية الجيدة.

أنشطة أطباء بلا حدود في اليمن
طبيبة الأطفال في أطباء بلا حدود مونيكا كوستيرا مع رضيعة في وحدة حديثي الولادة في مستشفى القناوص في الحديدة. اليمن، في أغسطس/آب 2021.
Nasir Ghafoor/MSF

ومن هذه العوامل أن يقل عمر الأم عن 17 عاماً أو أن يزيد عن 35 عامًا، إلى جانب قصر المدة الفاصلة بين الحمل والآخر، وسوء التغذية عند الحمل، وتعدد الحمل، والمشاكل التي قد تصيب الجنين، والمشاكل الصحية التي قد تصيب الحوامل كالملاريا ومقدمات الارتعاج/التسمم الحملي والالتهابات وغيرها، علماً أن الكثير من الأمهات التي تأتينا إلى القوانص تعاني من هذه العوامل. ومع هذا، فإن تأمين الرعاية الصحية الأساسية لحديثي الولادة من شأنه أن يقلل إلى حد كبير من عدد الوفيات ويحسن النتائج.

حين جلست على سطح المنزل تلك الليلة شعرت بالرضا كوني جزءاً من فريق يسهم في إنقاذ حياة الناس، لكنني شعرت أيضاً بالقلق على الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى مستشفانا. فهناك أمهاتٌ يصرخن ألماً ومواليدٌ جدد يأخذون آخر نفس لهم في هذه الحياة وكل هذا ببساطة لأنهم لا يحصلون على الرعاية الطبية البسيطة والأساسية.

وحين شهدت هذا الواقع وأدركت كيف تؤثر الحرب في حياة الناس الضعفاء تمنيت لو أن ثمة وعياً عالمياً أكبر حيال ما يجري هنا. وأتمنى أن نستخدم مواردنا وإمكانياتنا الإنسانية العظيمة لإنقاذ حياة الناس بدلاً من قتلها.

المقال التالي
اليمن
تحديث حول مشروع 28 يناير/كانون الثاني 2022