Skip to main content
A women pours water into a cup from a storage tank. The water supply in Al Salam Camp is currently considered highly critical and unstable. Access to clean drinking water is insufficient for many families. The poor water supply poses several risks, including the spread of waterborne diseases such as cholera and diarrhea, difficult hygienic conditions, and additional risks for malnourished and sick people.
نساء تنتظر أمام خزان للمياه في مركز للرعاية الصحية العامة داخل مخيم السلام للنازحين. الكثير من العائلات في المخيم لا تملك قدرة الوصول إلى كمية كافية من مياه الشرب النظيفة. وتمثل إمدادات المياه الرديئة عدة مخاطر للمجتمع، منها تفشي الأمراض المنقولة بالماء، كالكوليرا والإسهال. السودان، في مايو/أيار 2026.
© Ante Bussmann/MSF

لماذا لم نتمكن من وقف الكوليرا في السودان؟

نساء تنتظر أمام خزان للمياه في مركز للرعاية الصحية العامة داخل مخيم السلام للنازحين. الكثير من العائلات في المخيم لا تملك قدرة الوصول إلى كمية كافية من مياه الشرب النظيفة. وتمثل إمدادات المياه الرديئة عدة مخاطر للمجتمع، منها تفشي الأمراض المنقولة بالماء، كالكوليرا والإسهال. السودان، في مايو/أيار 2026.
© Ante Bussmann/MSF

الكوليرا مرض موجود منذ قرون. ونعرف كيفية الوقاية منه وعلاجه. ومع ذلك، شهد السودان في عامي 2024 و2025 أشد تفشٍ للكوليرا فتكًا في تاريخه الحديث. وللمرة الأولى، انتشر المرض في جميع الولايات الثمانية عشر في البلاد، مع تسجيل أكثر من 124,000 إصابة و3,500 وفاة وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية.

قضيت معظم مسيرتي المهنية الطبية في العمل وسط حالات الطوارئ. لكن ما يؤرقني في هذا التفشي تحديدًا ليس مجرد وقوعه، بل أن كثيرًا من الإصابات والوفيات كان يمكن تجنبها.

واجه السودان ما لا يقل عن 16 تفشيًا للكوليرا منذ ستينيات القرن الماضي، من بينها موجات كبيرة في عام 2006، وبين عامي 2016 و2018، وفي عام 2019، تفاقمت جميعها بفعل الأمطار الموسمية وضعف البنية التحتية.

لكن الحرب غيّرت هذا النمط خلال العامين الماضيين. منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، شهدت فرقنا انتشار الكوليرا على طول مسارات النزاع، وفي مواقع النزوح حيث تتردى الظروف المعيشية. وشهد كل من بورتسودان والقضارف والخرطوم وكوستي ارتفاعًا حادًا في عدد الحالات خلال موسم الجفاف، قبل أشهر من هطول الأمطار التي عادة ما تُسرّع من انتقال العدوى.

في فبراير/شباط 2025، أصاب القصف محطة توليد الكهرباء التي تزوّد مدينة كوستي في ولاية النيل الأبيض بالكهرباء، ما أدى إلى توقف محطة معالجة المياه في المدينة عن العمل. ولم يكن أمام العائلات من خيار سوى جلب المياه من النهر أو شراء المياه التي تنقلها عربات الحمير. وفي غضون أيام من الهجوم، وصل مئات الأشخاص إلى مستشفى كوستي التعليمي وهم يعانون من أعراض الإسهال المائي الحاد. وبحلول 5 مارس/آذار، أي بعد أقل من شهر واحد، أُدخِل إلى المستشفى أكثر من 3,000 مريض بالكوليرا وتوفي أكثر من 100 شخص.

وتكرر هذا النمط في أماكن أخرى. ففي الخرطوم، أدت الهجمات على محطات توليد الكهرباء في مايو/أيار إلى انقطاع التيار الكهربائي عن المضخات التي توفر المياه الآمنة. كما تسببت انقطاعات التيار الكهربائي في تعطّل محطات معالجة المياه والمرافق الصحية. هذا وقد تأخّر وصول الكلور وغيره من الإمدادات الأساسية، فيما نفدت كميات منها. وأدت الفجوات في التمويل إلى توقف خدمات نقل المياه بالشاحنات، ما اضطر العائلات للاختيار بين مياه غير آمنة وأخرى لا يقدرون على تحمّل تكلفتها.

وبعد مرور عامين، يمكننا الآن التحدث عما استخلصناه. لم تكن هذه الارتفاعات تتبع إيقاع الفصول أو الطقس، بل إيقاع الحرب نفسها. وكان العبء الأكبر يقع على كاهل الأشخاص الأقل حاجة، ولا سيما الأسر النازحة داخل السودان، التي تعيش غالبًا في مخيمات مكتظة أو تجمعات غير رسمية تفتقر إلى المياه النظيفة أو خدمات الصرف الصحي أو الرعاية الصحية بالقرب من أماكن إقامتها. وفي بعض الأماكن، بدأت تفشيات الأمراض في غضون أيام قليلة من وصول الوافدين الجدد إليها.

لم تكن هذه الارتفاعات تتبع إيقاع الفصول أو الطقس، بل إيقاع الحرب نفسها. الدكتورة ميكايلا سيرافيني، رئيسة منظمة أطباء بلا حدود في سويسرا

لم تنتشر الكوليرا في فراغ. فقد أسهم النزاع في خلق الظروف التي سمحت للمرض بالانتشار وفي تفاقمها، من تضرر شبكات المياه والكهرباء والنزوح الجماعي، إلى عرقلة وصول المساعدات الإنسانية ونقص الموارد اللازمة للاستجابة. ومع ذلك، تبقى الوقاية من هذا المرض ممكنةً. ويعكس الفشل المتكرر في منع تفشي الكوليرا في الماضي خيارات سياسية أدت إلى عدم حماية المدنيين، واستهداف البنية التحتية المدنية أو السماح بتضررها، وعرقلة وصول المساعدات في الوقت المناسب، وخفض التمويل اللازم للاستعداد والاستجابة.

لم تكن أطباء بلا حدود وحدها في تلك الاستجابة. عملت المنظمات الإنسانية في ظل قيود استثنائية. وفي الأماكن التي لم يُتَح للفرق الدولية الوصول إليها، كانت غرف الاستجابة للطوارئ التي يديرها المتطوعون في السودان هي غالبًا أول من يبادر. فقد نظّموا نقاط المياه، ونبّهوا السلطات الصحية بالإصابات الجديدة، وساعدوا في إنقاذ حياة الناس قبل وصول فرق الاستجابة الأكبر. وقد تولى العاملون الصحيون السودانيون والمجتمعات المحلية جانبًا كبيرًا من جهود الاستجابة بأنفسهم.

تم احتواء أكبر تفشي للكوليرا بحلول مارس/آذار 2026، لكن الخطر بقي قائمًا. فما لبث أن أُعلن عن تفشٍ جديد في غرب كردفان في يونيو/حزيران، بعد ظهور حالات إسهال مائي حاد في مايو/أيار، أي قبل بدء موسم الأمطار بشكل كامل. كما ظهرت إصابات في شمال كردفان، رغم أن أعدادها آخذة في الانخفاض. ومرة أخرى، أسهم النزاع ونقص بيانات الرصد الواضحة والوصول غير الكافي إلى المياه الصالحة للشرب في تهيئة الظروف لانتشار المرض.

ما الذي تعلمناه؟ عمل المستجيبون السودانيون والسلطات الصحية والمنظمات الإنسانية جميعًا على الاستعداد، إلى حد ما، لتفشيات المرض في المستقبل. لكن ما لا يزال ينقصنا هو السرعة، فثمن التأخير يُدفع من حياة الناس. ويجب أن نتحرك الآن في اتجاهين متوازيين.

الدكتورة ميكايلا سيرافيني، رئيسة منظمة أطباء بلا حدود - سويسرا "عندما يكون بالإمكان إنقاذ حياة إنسان من مرض يمكن الوقاية منه مثل الكوليرا، يجب أن نبذل كل ما في وسعنا".
Portrait of Micaela Serafini - President of the Swiss section of the international humanitarian aid organization Médecins Sans Frontières (MSF).
Geneva, October03, 2024
رئيسة منظمة أطباء بلا حدود في سويسرا، الدكتورة ميكايلا سيرافيني. الجنيف، سويسرا، في أكتوبر/تشرين الأول 2026. 
© Pierre-Yves Bernard/MSF

أولًا، علينا أن ندرك مدى إلحاح الوضع وأن نتحرك بالسرعة التي يتطلبها هذا التفشي. ورسالتي بسيطة أوجهها إلى مجتمع المانحين، ووزارة الصحة الاتحادية في السودان، وسائر الجهات الفاعلة في المجال الإنساني: التوقيت المناسب لا يقل أهمية عن حجم الاستثمار نفسه. يجب أيضًا تعزيز أنظمة الرصد لاكتشاف الإصابات في مرحلة مبكرة، فلا يمكن أن تظل الاستجابة مركزية، بل نحتاج إلى أساليب عمل لامركزية تعزز الرصد على أرض الواقع وتتيح التدخّل قبل انتقال العدوى. وهذا يعني الاستثمار العاجل في الجاهزية، بما في ذلك وضع خطة للتطعيم وتعزيز خدمات المياه والصرف الصحي. فعندما يكون بالإمكان إنقاذ حياة إنسان من مرض يمكن الوقاية منه مثل الكوليرا، يجب أن نبذل كل ما في وسعنا.

ثانيًا، المساءلة. يجب على أطراف النزاع، والأطراف التي لها نفوذ عليها، احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وحماية البنية التحتية المدنية مثل شبكات المياه والكهرباء الضرورية لبقاء الناس على قيد الحياة. وهذه ليست ضمانات يمكن الاختيار بينها. عندما تتعرض محطة توليد كهرباء أو محطة معالجة مياه للهجوم، لا تتوقف العواقب عند تدمير بنية تحتية فحسب، بل تمتد لتظهر في جناح علاج الكوليرا المجاور، حيث تكتظ الأسرة بالمرضى وحيث سيفقد البعض حياته.

لا يمكن أن تكون الدروس التي تعلمناها من تفشي الكوليرا السابق أكثر وضوحًا. والسؤال الوحيد الذي يبقى هو ما إذا كان المعنيون على استعداد أخيرًا للاستفادة منها، من خلال العمل الإنساني الذي يمّول جهود الجاهزية ويسرّع تنفيذها، والإرادة السياسية التي تحمي المدنيين والبنية التحتية، قبل أن يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى.