East Damascus, Syria - Voice from the Field
سوريا

في مشفى ميداني محاصر، حيث تصبح الراحة رفاهية صعبة المنال!

دكتور أ.س، طبيب جراحة شاب تخرج عقب اندلاع الأزمة في سوريا. يعمل الآن في أحدى المستشفيات الميدانية، إلى الشرق من العاصمة دمشق، يروي مشواره الطبي الذي أصبح عمره من عمر الحرب في البلاد.  

هدنة مؤقتة لم يفلح الموت المحيط بخرقها

من تحديات الحصار لجراح شاب، إحدى النسوة الحوامل التي علقت مع المحاصرين وكان موعد ولادتها قد اقترب. كل محاولات التوسط في مسعى لإخراج المرأة من المنطقة باءت بالفشل. كنا نريد لها أن تخرج لعلمنا أنها تتطلب ولادة قيصرية ولا يمكن لها الولادة على نحو طبيعي. لم يكن هناك في المنطقة من مشفى للتوليد يمكننا أخذها إليه. ولم أكن قد أجريت بدوري -في حياتي كلها حتى تلك اللحظة- أي عملية ولادة من هذا النوع.

في الأيام القليلة التي سبقت موعد الولادة رحت أفتش لنفسي عن مكان أتمكن فيه من الولوج الى الانترنت للاطلاع على كل ما قد يساعدني في تعزيز معرفتي بهذا النوع من الجراحات. مع انتهاء العد التنازلي بلغ بي الخوف والتوتر أقصى حدوده. كنت أفكر: لو كان بإمكاني فقط إيقاف الوقت لئلا يأتي اليوم المنشود. ولكن المرأة أتت. كان الجو مشحونا أساسا. والقذائف المسعورة تنهال على المنطقة بعنف. أدخلنا المرأة إلى حجرة العمليات وأجريت العمل الجراحي. ولدت الطفلة سالمة معافاة تماما كأمها. ولم يعد هنالك من متسع في المكان لملء سعادتي.

في الحصار ينحصر عمل الجراح على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، نفلح في ذلك أحيانا ونفشل في أحيان أخرى رغم عديد محاولاتنا. بعبارة أخرى يندرج عملنا في إطار (ترميم الضرر) الذي تحدثه آلة الحرب. لكن هذه الولادة لم ترمم أي ضرر كما جرت العادة وإنما أتت بحياة جديدة على هذه الأرض. كانت لحظات سحرية تلك. هدنة مؤقتة لم يفلح كل الموت المحيط بنا بخرقها.

مشفاي كان مدرسة مهجورة

تخرجت من كلية الطب بعيد اندلاع الأزمة في سوريا. في صيف 2011، مع تسارع الأحداث وبلوغ الاحتياجات الطبية حدًا ما عاد يمكن تجاهله، لم أجد من بد سوى أداء واجبي الطبي وتقديم الرعاية لمن يحتاجها. البداية كانت في مستشفيات خاصة صغيرة وما هي إلا بضعة أشهر حتى تم اعتقالي كالكثير من نظرائي الأطباء ومع مطلع 2012 خرجت من المعتقل لأعود لتقديم العلاج في مستشفيات ميدانية مرتجلة في أماكن غير مؤهلة للعمل الطبي في شرق دمشق ثم في الغوطة حيث الحاجة الطبية الملحة.

في نهاية 2012، اندلعت اشتباكات عنيفة في إحدى الضواحي إلى الشرق من العاصمة، لم يكن في المنطقة التي كانت تعج بالنازحين إذاك أي مركز طبي يقدم العلاج للجرحى. قصدت المنطقة وأخذت على عاتقي مسؤولية إقامة مستشفى ميداني. وبعد بحث، وقع اختياري على مدرسة مهجورة كانت قد تعرضت للقصف في السابق، تضررت طوابقها العلوية ولكن الطابق السفلي منها وكذلك القبو حيث أقمنا مشفانا كانا بحال جيد. أصبح هذا المشفى الملاذ الطبي الوحيد الذي يلجأ إليه المصابون جراء القصف على الحي وكذلك الجرحى من الأحياء والمناطق المجاورة. وعلى الرغم من القصف اليومي المتواصل للمنطقة وما يترتب على ذلك من رعب وتوتر فقد تمكنت والطاقم الطبي العامل معي من القيام بعمل طبي جبار كان السكان بأمس الحاجة إليه.

الحصار

في أحد أيام تموز 2013، في الساعة العاشرة صباحا، سقط أحد الصواريخ على المشفى. وأحدث انفجارا مهولاً قلب المكان رأسا على عقب، الضغط الذي ولده كان كفيلا باقتلاع حيطان المستشفى الخشبية وألقى بالمعدات الطبية ومن بالمستشفى في شتى الاتجاهات. وسرعان ما لفّت سحابة من الغبار الكثيف المكان جعلت من الرؤية أمرا مستحيلا. لم يشبه هذا القصف أيا مما سبق. أول ما تبادر لذهني هو أن حدثا جللا على وشك. وبأن هذا الانفجار ما هو إلا بداية لما هو أسوأ. وبالفعل ما كانت إلا لحظات حتى انهالت القذائف على المنطقة وازدادت أصوات الاشتباكات حدة وكثافة.

ما إن تخطينا مرحلة الصدمة حتى انهارت إحدى العاملات في المستشفى، كانت تسكن بالقرب من المستشفى حيث نعمل، ابنها الصغير كان في المنزل في الوقت الذي كانت فيه القذائف تنهمر، لم تتمكن من تمالك نفسها وأرادت أن تتفقد ولدها. قرر أحد المسعفين الخروج للبحث عن الصبي. لم أشأ أن يخرج وقتئذ، ذلك لأننا لم نكن نعلم حقيقة ما يجري في الخارج. ما إن خرج هذا المسعف من بوابة المدرسة حتى وجد دبابة مصوبة سبطانتها نحوه. شاهدنا رجلا يخرج سليما معافى ليعود إلينا في لحظات مصابا بالشظايا. عندها أدركنا حقيقة ما يجري في الخارج وقررنا إخلاء المستشفى. حمل كل مسعفين جريحا وخرجنا مهرولين من الباب الخلفي.

كان الوضع أشبه بالقيامة! كنا نحاول الاسراع ما أمكن في المشي قاصدين مركزًا طبيًا صغيرًا آخر غير بعيد. بينما كانت القذائف تنهال من كل صوب في الطريق المفتوح على الحقول ومع كل قذيفة تسقط كنت أخشى الأسوأ، ولكننا نجحنا في وصول وجهتنا دونما أذية. وصولنا كان أشبه بالمعجزة. تركنا خلفنا كل معداتنا. ولم نعد نجرؤ على العودة إلى المستشفى. خلال قليل الأيام اللاحقة علمنا أن المعارك ابتعدت نوعا ما عن مكان المستشفى. تناوب الطاقم على الخروج وفي ذلك إلى أن تمكنا أخيرا من تحصيل ما نحتاجه بعد قرابة العشرة أيام.

أصبحنا محاصرين وأصبح من المستحيل الدخول أو الخروج من المنطقة، أو إدخال الاحتياجات الطبية. سيل لا نهاية له من الجرحى تدفق إلينا منذ أول أيام الحصار. كنت غالبا ما أقوم بجراحتين على الأقل في وقت واحد. عمل متواصل على مدار الساعة. النوم والراحة أصبحا رفاهيات مستحيلة المنال. كنا نسترق دقائق قبيل الفجر لنأكل ما وجد أو لنشرب بعضا من الماء ومن ثم نعود مباشرة للعمل من جديد. القصف العنيف والقتال المحتدم لم ينفك يجلب المزيد من الجرحى إلينا مقصيا أي فرصة للراحة. ولأن أعداد الجرحى فاقت قدرتنا على الاستيعاب، ألزمنا باتخاذ قرارات طبية مؤلمة.

ما بعد الحصار

ثمانية أشهر كانت عمر الحصار حتى فبراير 2014. ثمانية أشهر من العذاب والتوتر. تلى ذلك وقف لإطلاق النار. نجح خلاله كثير من السكان بالعودة إلى منازلهم واستطعنا بدورنا الحصول على بعض المعدات والمستلزمات التي مكنتنا من المضي قدما في توفير الرعاية الطبية لمن يحتاجها. ولكن الوضع الصحي بقي على حاله. استمرت الاشتباكات -وإن بوتيرة متقطعة- على أطراف المنطقة وتابعت القذائف روتينها وإن على نحو متفاوت.

وقف نظري إذاً لإطلاق النار لم يغير شيئا من طبيعة عملنا سوى أننا وجدنا أخيرا متسعا من الوقت عملنا فيه على توسعة المستشفى لعلمنا بأن عودة السكان تعني بالضرورة تزايد الاحتياجات ما يزيد من ضغط العمل. أنشأنا قسما للتوليد وعيادات لتقديم الرعاية الطبية الأساسية والعناية بذوي الأمراض المزمنة. بينما شرعنا نحن كجراحين بالقيام بالعمليات الباردة العظمية والداخلية والبولية والتي لم يكن بمقدورنا القيام بها من قبل لمحدودية الإمكانات بسبب الحصار ولأننا كنا نبدي الجراحات المنقذة للحياة على سواها.

استمرت أطباء بلا حدود بتزويدنا بما نحتاجه. حصلنا على مختبر مكننا من إجراء التحاليل اللازمة إضافة إلى حواضن خاصة بقسم التوليد. بخطوات كهذي تمكنا من تلبية كافة الاحتياجات الطبية الأساسية لسكان المنطقة.

لا بد من يوم تنتهي فيه هذه الحرب

اليوم وبعد ثلاث سنوات من العمل الجراحي المتواصل بظروف قاهرة وصلنا معها حد الاشباع. تشبعنا بكل مشاهد البؤس. في احدى مكالماتي مع أستاذ الجراحة الذي تتلمذت على يديه في الجامعة، قال لي "ما أديته في السنوات الثلاث الماضية، بمعزل عن الظروف المحيطة، ضاهى تجربتي العملية التي اكتسبتها على مدار ثلاثين عاما في نطاق العملي الطبي. في الواقع، لقد بلغتم في ثلاث سنين فقط سن التقاعد". وبالفعل، فإني في كل لحظة أشعر بهذا الاكتفاء في كل يوم ولكن ما من خيار آخر. فالناس هاهنا بحاجة ماسة لكل أنماط الرعاية الطبية من أبسطها إلى أكثرها صعوبة. ولا يمكن أن أكون سببا إضافيا في تدهور الوضع الإنساني الكارثي أصلا.

اليوم أكاد أجزم بأني، وبمجرد انتهاء هذه الحرب، سأعتزل الطب. ما مررنا به حتى اليوم يكفي ليدفع بأي بشر باتخاذ قرار كهذا. كل ما أتطلع إليه اليوم هو أن تتوقف الحرب. لا بد لها أن تتوقف يوما. حينها سأختار لنفسي ما أشاء من عمل. حينها فقط سنصبح أحياء بحق.