Pregnant and HIV+ Mamotsieleli Molofotsane walks many hours to health center, Lesotho
صحّة المرأة

"رأيت الأمر بأم عيني، الإجهاض الآمن ينقذ حياة الناس"

تخصّصت الطبيبة مانيشا كومار بطبّ الأسرة وتشغل منصب منسّقة مشروع "فريق العمل المعني برعاية الإجهاض الآمن" والذي يهدف إلى زيادة فرص حصول النساء على خدمات منع الحمل والإجهاض الآمن التي تقدّمها مشاريع منظّمة أطبّاء بلا حدود.

لطالما اعتبرت الإجهاض قبل بدء العمل في المشاريع الميدانيّة التابعة للمنظّمة مسألةً سياسيةً أو جانب من جوانب حقوق المرأة. ولكنّني الآن وبعد أن رأيت يومًا بعد يوم بأم عيني حاجة النساء والفتيات إلى الإجهاض الآمن، فهمت أنّ الإجهاض بمثابة ضرورة طبيّة لها تأثير حقيقي على حياة الناس.

ويصعب على أصدقائي وزملائي هنا في الولايات المتّحدة، بمن فيهم الأطبّاء الآخرين وحتّى مقدّمي خدمات الإجهاض، أن يفهموا عندما أتحدّث إليهم ما واجههته شخصيًا وما تشهد المنظّمة يوميًا في مشاريعها المنتشرة حول العالم.

فنحن لا نشهد عادةً على المضاعفات الناجمة عن الإجهاض غير الآمن الذي يحصل في البلدان النامية بما أنّ الإجهاض أصبح قانونيًا وآمنًا ومتاحًا بسهولة مؤخّرًا في جميع أنحاء الولايات المتحدة. ولذلك، أحاول أن أساعد الناس على فهم الواقع من خلال إخبارهم عن النساء اللواتي أعاينهن.

وخضت تجربتي الأولى بالعمل في الخارج في بلدٍ صغيرٍ غير ساحلي ضمن جنوب أفريقيا يدعى ليسوتو حيث عملت كطبيبة في جناح التوليد في مستشفى صغير في الجبال. وفي أحد الأيّام، أتت فتاة تبلغ 18 عامًا وكانت مريضة جدًا. كانت تعاني من صدمة ناجمة عن تعفن الدم وجسمها مصاب بالكامل بالعدوى. كانت تفقد وعيها ثمّ تستعيده وتعاني من حمى شديدة للغاية. وتبيّن لنا بعد معاينتها وجود العصي والأوراق داخل مهبلها.
واتّضح الأمر فورًا لطاقم العمل المحليّ ثمّ لي؛ كان ما تعاني منه عبارة عن مضاعفات ناجمة عن إجهاض غير آمن حاولت القيام به في المنزل.

فتحت هذه التجربة عيني على عالم كامل من معاناة النساء والفتيات، عالم لم أعرف يومًا بوجوده. وفجأةً، وجدت نفسي أتعامل مع كل هذا. كانت تلك مريضاتي. مانيشا كومار، منسّقة مشروع "فريق العمل المعني برعاية الإجهاض الآمن"
Pregnant and HIV+ Mamotsieleli Molofotsane walks many hours to health center, Lesotho
في ليسوتو تحتاج هذه المريضة للمشي لساعات عديدة للحصول على الخدمات الصحيّة
Peter Casaer/MSF

بذلنا كل جهدنا لمعالجتها، فأعطيناها المضادات الحيوية عن طريق الوريد والكثير من السوائل الوريدية. وبعد أيّام متعدّدة تماثلت للشفاء أخيرًا، ولكنّني أذكر كيف اعتدت الجلوس بجانب سريرها وأنا أفكّر بأنّه كان من الممكن تفادي كلّ ما مرّت به. وكانت تلك المرّة الأولى التي أقابل فيها امرأةً تمتّعت بحالة صحية مثالية قبل هذه الحادثة وها هي الآن في المستشفى، مريضة للغاية وعلى شفير الموت.

عندما كُلِّفت في وقت لاحق بمهمتي الأولى مع المنظّمة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كنت مسؤولة عن أنشطة الصحة الجنسية والإنجابية لمشروع كبير جدًا. استلمت آنذاك إدارة جناح التوليد في المستشفى ورأيت نساء وفتيات مريضات بقدر الفتاة في ليسوتو، إنّما تجسّد الاختلاف هذه المرّة في العدد الهائل لهؤلاء النساء والفتيات المصابات بمضاعفات ناجمة عن الإجهاض غير الآمن.

استقبل المشروع 800 امرأةٍ سنويًا تعاني من مضاعفات ما بعد الإجهاض وسرعان ما اتّضح لي أنّ ما يحصل يطال جميع أنواع النساء. عالجنا فتيات ونساء في منتصف العمر؛ متزوجات وغير متزوجات؛ نساء رُزقن بالكثير من الأطفال ونساء رُزقن بطفلَين ونساء لم يُرزقن بأي طفل. والأمر المشترك بينهن هو أنّ كل واحدة منهن وجدت نفسها على سرير مستشفى لأنّها حملت من دون رغبةٍ منها ولجأت إلى وسائل غير آمنة للإجهاض في غياب أي وسيلة آمنة لوضع حدٍّ لحملها.

وشعرت أنّ هؤلاء النساء يقبعن في الظلّ إذ أنّ الطاقم الطبّي عاينهن ولكنّ أحدًا لم يأتِ على ذكر الموضوع ولم يبدُ أنّ أحدًا يفكّر كيف انتهى بهن المطاف هنا في المقام الأول.

شعرت أنّ هؤلاء النساء يقبعن في الظلّ إذ أنّ الطاقم الطبّي عاينهن ولكنّ أحدًا لم يأتِ على ذكر الموضوع ولم يبدُ أنّ أحدًا يفكّر كيف انتهى بهن المطاف هنا في المقام الأول. مانيشا كومار، منسّقة مشروع "فريق العمل المعني برعاية الإجهاض الآمن"

صُدمت بكل صراحة بعدد النساء اللواتي يتلقين العلاج جراء الإجهاض غير الآمن، ولكن بالنسبة إلى عدد كبير من الموظّفين الكونغوليين، كان أمرًا مألوفًا اعتادوا عليه على مرّ السنين. أضحى أمرًا طبيعيًا، لا بل جزءًا من الرعاية الروتينية في المستشفى. وفي كلّ مرّة حاولت التعمّق أكثر في الموضوع، وطرح بعض الأسئلة الإضافية، أصبح من الواضح أنّ لدى الكثير من الموظّفين الكونغوليين قصصًا لتشاركها.

تأثّروا جميعًا بنساء في حياتهم واجهن مضاعفات ناجمة عن الإجهاض غير الآمن، وتوفي عدد كبير منهن نتيجةً لذلك. وكانت أحيانًا قصة أخت شابة أو جارة أو زميلة في الصف أو في مدرسة التمريض. حتّى أن أحد الموظّفين أخبرني عن ابنته التي توفيت نتيجة عملية إجهاض غير آمن.

وفتحت هذه التجربة عيني على عالم كامل من معاناة النساء والفتيات، عالم لم أعرف يومًا بوجوده. وفجأةً، وجدت نفسي أتعامل مع كل هذا. كانت تلك مريضاتي.

عندما أتحدّث إلى الناس في الولايات المتحدة عن الأمر، أشرح لهم أنّ ما يفصلنا في هذا البلد عن النساء اللواتي يلجأن إلى الإجهاض غير الآمن هو جيل أو اثنان. قابلت أطبّاء أنجزوا عمليات إجهاض في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حتّى قبل أن يكون قانونيًا في هذا البلد، وأخبرونني القصص نفسها عن أجنحة مستشفيات مكتظّة بالنساء المصابات بالإجهاض المتعفن، نساء نزفن وتألمن وأُصبن بالمضاعفات نفسها التي أراها اليوم في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

أعرف من خلال ما رأيته بأم عيني أنّ توفير رعاية الإجهاض الآمن تُنقذ فعلًا حياة النساء. مانيشا كومار، منسّقة مشروع "فريق العمل المعني برعاية الإجهاض الآمن"

أنا فخورة بعملي مع منظّمة أطبّاء بلا حدود في توفير فرص الحصول على الإجهاض الآمن والعلاج للإجهاض غير الآمن ووسائل منع الحمل. إنّه فخر لي أن أتمكّن من النضال كل يوم من أجل النساء والفتيات لمساعدتهن في الحصول على الرعاية الطبيّة عالية الجودة التي يحتجن إليها. أعرف حقّ المعرفة أنّنا نمنع وفيات الأمهات ومعاناتهن.

وغالبًا ما يربط الناس منظّمة أطبّاء بلا حدود بالأنشطة الطبيّة المُنقذة للحياة في أوقات الحرب، فيفكّرون أولًا بعمليات الإصابات البالغة وغيرها من العلاجات التي نقدّمها إلى جرحى الحرب، وأظنّ أنّ هذا العمل فعلاً مهمّ للغاية. ولكنّني أظنّ أيضًا أنّ العمل الذي تنفّذه فرقنا الميدانيّة لتوفير رعاية الإجهاض الآمن، حتّى عندما يكون خطيرًا، هو بطولي ومُنقذ للحياة بقدر ما هو جزء من بعثة المنظّمة. أعرف من خلال ما رأيته بأم عيني أنّ توفير رعاية الإجهاض الآمن يُنقذ فعلًا حياة النساء.

المقال التالي
جمهورية الكونغو الديمقراطيّة
بيان صحفي 7 مارس/آذار 2019