MSF in Al Dhale and Taiz, Yemen. July 2015

طبيب في منظمة أطباء بلا حدود: "لم يخيفني وجودي في اليمن، فقد نشأت في منطقة حرب"

مقالات أطباء بلا حدود حول فيروس كورونا كوفيد-19
اقرأوا المزيد

في ظل تصاعد حدة الضربات الجوية وتفاقم النزاع بين المجموعات المسلحة في اليمن، توجه الدكتور محمود مينابال من منظمة أطباء بلا حدود لمدة أربعة أشهر إلى تعز جنوب غربي اليمن، حيث يناضل الطاقم الطبي على لإبقاء هذه المستشفيات فاعلة في ظل القتال والقصف وفي ظل النقص الفادح المأساوي في الأدوية والوقود.

لقد وصلت إلى اليمن أواخر شهر مايو/أيار بعد بداية الأزمة الأخيرة. أرسلني فريق المنظمة الطبي مباشرةً إلى تعز، حيث كنا نخطط لإجراء تقييم للوضع في هذه المنطقة، هادفين إلى تحديد كل ما ينقصنا من موارد ومن احتياجات طبية فيه. قبل وصولي، جرى التنسيق لإرسال بعض المواد العاجلة كالمعدات الطبية وغيرها من الإمدادات التي طلبتها المستشفيات في تعز، ثم استمرت عملية إرسال المواد وفقاً لمبادئ منظمة أطباء بلا حدود الحقيقية (الحياد والاستقلالية وعدم الانحياز). إذ تبين لنا أن عدة مستشفيات من طرفيَ النزاع بحاجة إلى إمدادات طبية، بالإضافة إلى ذلك هناك نقص في الأدوات والمعدات الجراحية في العديد منها، وقد تبرعت المنظمة بمعدات الجراحة العصبية والوعائية والتجبيرية والبطنية لعديد من المستشفيات.

وخلال رحلتي، رافقني طبيب آخر بينما كان منسق المشروع ومستشار قد وصلوا قبلنا إلى تعز. وبعد مرور شهر على وصولنا ،غادر الطبيب الذي رافقني تعز وانضم خبير لوجستي إلى المشروع. كنا نعمل بروح الفريق ليلاً ونهاراً  لتأسيس شبكة جيدة والتعريف عن منظمة أطباء بلا حدود إلى المجتمع المحلي وإلى الأطراف المتنازعة. وقد تمكنا من تحقيق ذلك وبالفعل حظيت المنظمة باحترام جميع أطراف المجتمع المحلي

وصولنا إلى تعز 

كان الوضع في غاية التوتر عندما وصلنا إلى تعز، بعد أن خلًف القتال والضربات الجوية أعداداً هائلة من المصابين. وهذا ما دفع المنظمة للتدخل وتقديم قررت المنظمة التدخل وتقديم إمدادات طبية للمستشفيات الرئيسية في تعز كالروضة والثورة والجمهوري والعسكري ومستشفى القاعدة (محافظة إب). فجميع هذه المستشفيات تستقبل العديد من ضحايا الحرب، ما يجعلها بحاجة ماسة إلى الإمدادات الطبية.

 كان الوضع الإنساني مروعاً في المناطق التي تأثرت بالقتال مثل عدن ولحج والضالع وتعز. واحتجز الآلاف من الأشخاص خلف خطوط النار، عاجزين عن الوصول إلى المرافق الصحية العاملة المتبقية، ومحرومين من الطعام والماء النظيف. كما وأن حدة العنف ازدادت في الأشهر الأخيرة ما وقف حاجزاً أمام وصولنا إلى  المستشفيات. أغلقت معظم المستشفيات والمرافق الصحية بسبب نقص الإمدادات الطبية والوقود والماء. يعيش الشعب اليمني في ظروف صعبة للغاية، وهم محرومون من الرعاية الصحية والغذاء والماء. إن الوضع في هذه المنطقة أشبه بالكارثة. 

القيود على الحركة

كنا نستطيع في بداية الأزمة الذهاب من منازلنا إلى المكاتب أو المستشفيات بأمان تام، ولكن مع تدهور الوضع ووجود جبهات قتال محتدمة وقصف برّي وقناصين في كل أرجاء المدينة، أصبح من المستحيل بالنسبة للشعب اليمني وفرق المنظمة  التحرك بحرية وأمان. 

فالخوف انتاب جميع الناس من التجول في المدينة لأن القناصين والمتحاربين لا يميزون بين مقاتل أو مدني، ولم يكن الناس أو فرق المنظمة ترى مواقع القناصين. لقد عالجنا الكثير من الإصابات برصاص القنص، كان معظمها في الصدر والرأس، وهذا ما يشير بكل وضوح إلى أن الهدف كان القتل.

لم أكن خائفاً كثيراً، فهذا الوضع ليس جديداً بالنسبة إلي. لقد نشأت في منطقة حرب لذلك لا يخيفني التواجد في اليمن، أكثر ما كان يقلقني هو وجود القناصين. على الرغم من ذلك، كان من المهم بالنسبة لنا أن نقدم المساعدات الإنسانية للمصابين والضعفاء. لقد كان عملاً صعباً قمنا ما بوسعنا لإنجازه. 

مرت بعض الليالي التي لم ننم فيها بسبب الانفجارات وأصوات الطائرات الحربية والضربات الجوية، وفي النهار كانت الضربات الجوية تخفي معالم المدينة في الغبار والضباب. لقد كان الوضع صعباً للغاية ولكن تصميمنا على تقديم المساعدات الإنسانية كان أقوى.

ومضات

عندما كنت في اليمن، استعدت الكثير من مشاهد الحرب التي عشتها. فوجودي في اليمن أعاد إحياء سنوات القصف والمعارك التي عشتها في أفغانستان، فأدركت عندها بأهمية منظمة أطباء بلا حدود وضرورة وجود المزيد من الأطباء.

غادرت أفغانستان عام 1983 وانتقلت إلى باكستان. بدأت العمل كطبيب مع منظمة أطباء بلا حدود في شهر يناير/كانون الثاني عام 2001، ولكن بعد 29 عاماً أمضيتها في خدمة المجتمع الباكستاني تعرض منزلي للقصف. قررت عندها مغادرة البلاد. في شهر يناير عام 2012 تقدمت بطلب اللجوء إلى هولندا مع زوجتي وابنتيّ. بدأت العمل مع المنظمة كطبيب بدءاً من 2013-2014، وكانت مهمتي الأولى في جنوب السودان، والثانية في اليمن.

قبل شهر من مغادرتي مدينة تعز كان عدد المصابين 4000 في مستشفى واحد، ولولا وجودنا هناك لكان عدد القتلى أكبر بكثير. فكان الكثير من الناس يفقدون الحياة في ظل نقص حاد في الإمدادات الطبية كأنابيب الصدر والأدوية المخدرة والسوائل الوريدية وخيوط الجراحة والمضادات الحيوية. كنا نقوم بعمل جيد نسبياً في إنقاذ حياة الناس في تعز بشكل خاص وفي اليمن عموماً. 

أنا حزين جداً لمغادرة تعز. لقد أسست هذا المشروع مع زملائي من نقطة الصفر. آمل أن تنتهي الأزمة في اليمن قريباً ولكنها إن استمرت فسأعود بكل رحابة صدر لإنقاذ حياة من يعانون من هذه الحرب الشعواء.

عمل منظمة أطباء بلا حدود في تعز

منذ بداية شهر مايو/أيار 2015، تقدم المنظمة الأدوية الطارئة والإمدادات الجراحية لمستشفيات الجمهوري والثورة والروضة والعسكري ومستشفى القاعدة التي كانت تستقبل ضحايا العنف في النزاع الحالي المستمر. خلال تلك الفترة، أسست المنظمة وجهزت ثلاث غرف طوارئ إضافية في مستشفى الروضة وذلك لفسح المجال المجال لمعالجة الإصابات الجماعية كما وتستمر المنظمة بدعم في دعم غرفة الطوارئ في المستشفى بالإمدادات والطواقم العاملة، حيث يعمل فيها المنظمة أربعة أطباء وممرضة في غرفة طوارئ المستشفى. بالإضافة إلى ذلك، تغطي المنظمة رواتب 27 عاملاً في قسم الطوارئ في المستشفى لضمان تقديم الرعاية على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع. استقبل مستشفى الروضة منذ 15 مايو/أيار 2015 عدداً إجمالياً بلغ 3,821 جريح حرب، مات منهم 308 من بينهم 15 امرأة. تخطط المنظمة أيضاً لتوفير نظام الإحالة بين المستشفيات بسيارتي إسعاف كبداية على أن تزيد العدد حسب الحاجة.

بالنظر إلى الاحتياجات المطلوبة، افتتحت المنظمة مكتباً في تعز في شهر يونيو/حزيران 2015 لضمان استمرار الدعم في فترة الأزمة.

قامت المنظمة أيضاً بافتتاح مستشفى لرعاية الأم والطفل بقدرة استيعابية تبلغ 100 سريراً للتوليد وأمراض النساء وطب الأطفال، وهناك فريق تابع للمنظمة يضم أربعة أفراد دوليين وثمانية يمنيين يعملون على الأرض للقيام بعمليات تقييم إضافية كلما دعت الحاجة.