Collapsed building
العراق

آثار النزاع في الحويجة الممزقة جراء العنف: "أملي الوحيد هو عودة الأمور إلى مجراها الطبيعي"‏

يجلس أحمد* بصبر في غرفة الانتظار المزدحمة في مركز الرعاية الصحية الأساسية في الحويجة، حيث تقدم منظمة ‏أطباء بلا حدود الاستشارة والعلاج الطبيين للأشخاص الذين يعانون من الأمراض المزمنة كداء السكري والربو والأمراض ‏القلبية الوعائية. يجلس منغمساً بأفكاره، بينما يصدر المصباح فوقه ذو الضوء الشاحب أصواتاً، وينقطع التيار الكهربائي ‏باستمرار.‏

يبلغ أحمد من العمر ‏‎35‎‏ عاماً، وتكشف التجاعيد في وجهه عبئاً مثقلاً بالمتاعب والمخاوف. وتجلس بالقرب منه شقيقته ‏زينب ذات الـ ‏‎16‎‏ ربيعاً. وتتدلى خصلة غير مصفوفة من شعرها الداكن من حجابها الأزرق محددة بذلك وجهها، بينما تنقر ‏أصابعها ركبتها بتوتر شديد. يبدو القلق جلياً على أحمد وزينب، وهما ينتظران دور والدتهما المصابة بارتفاع ضغط الدم ‏حتى يراها الطبيب. 

فيديو

يوم عمل فرق أطباء بلا حدود في الحويجة

العودة إلى الحويجة بعد النزاع

تعيش العائلة في إحدى القرى التابعة لناحية الرياض في قضاء الحويجة، الذيخضع – إثر سيطرة جماعة الدولة الإسلامية ‏عليه لما يقارب الأربع سنوات – لحصار طويل الأمد. وقد قام الهجوم العسكري اللاحق بإخراج جماعة الدولة الإسلامية من ‏قضاء الحويجة في أكتوبر/تشرين الأول ‏‎2017‎، تاركاً خلفه آثاراً هائلة للدمار الحاصل.      ‏

اليوم، وبعد انتهاء الهجوم العسكري، يقوم العديد من الناس الذين كانوا قد فروا من المنطقة بالعودة إليها تدريجياً لبناء حياة ‏طبيعية، ومع ذلك، لا تزال حلقات من العنف تدور في هذه المنطقة الريفية، ويستمر انعدام الأمن على طول الطريق السريع ‏الذي تتناثر فيه نقاط التفتيش العسكرية.‏

وبينما ينتظر أحمد خروج والدته من الاستشارة الطبية مع طبيب يعمل مع المنظمة، يقول أحمد، "إن الوضع أفضل الآن، ‏ولكن هنالك حظر تجول في الليل والأمر صعب للغاية. كانت والدتي تعاني من ارتفاع في ضغط الدم قبل يومين وكنت ‏أرغب في اصطحابها إلى المستشفى، لكنني لم استطع بسبب حظر التجول. جئت بها إلى هنا اليوم لأنه قيل لي أن منظمة ‏أطباء بلا حدود موجودة في هذه العيادة في الحويجة وأن بإمكانها مساعدتها". 

أنشطة أطباء بلا حدود في كركوك

تقدم فرق منظمة أطباء بلا حدود رعاية الأمراض المزمنة من خلال الاستشارة الطبية والعلاج والمشورة حول أنظمة الحياة ‏الصحية، فضلاً عن جلسات التثقيف الصحي وخدمات الرعاية النفسية في كل من الحويجة والعباسي. أرقام من مركز الحويجة للرعاية الصحية الأساسية في عام 2018:

تحت سيطرة جماعة الدولة الإسلامية، الحياة كانت صعبة والهروب أصعب

ويتابع أحمد "عندما سيطرت جماعة الدولة الإسلامية على القضاء، كان من الصعب العثور على الأدوية. فقد يصل سعر ‏الشريط الواحد من الباراسيتامول إلى ‏‎25,000‎‏ دينار عراقي (أي ما يعادل ‏‎20‎‏ دولاراً أميركياً). كانت الحياة صعبة، ولكن ‏الفرار كان أصعب. فقد كانت الجبال مليئة بالألغام والمتفجرات. وقد خسرنا بعض من أخوالي أثناء محاولتهم الهروب عن ‏طريق الجبال. فبقيت مع والدتي نظراً لحالتها الصحية ولحماية منزلنا. أما باقي أفراد عائلتي، فقد استطاعوا مغادرة المنطقة ‏بأمان عن طريق الجبال بعد أن دفعوا مبلغاً من المال لأحد الأدلاء. كان من الممكن أن يتم اعدامنا بسبب ذلك. لكنني الآن ‏أتأمل فقط عودة الأمور إلى مجراها الطبيعي."    ‏

غياب الرعاية الصحية في الحويجة

لقد خلَّف النزاع الأخير آثاراً ملحوظة للدمار في قضاء الحويجة، وحتى المرافق الصحية لم تكن بمنأى عن ذلك أيضاً. ‏ووفق وزارة الصحة، فإن 35 بالمئة من مراكز الرعاية الصحية الأساسية في محافظة كركوك غير عاملة، مسببة بذلك ‏ارتفاعاً في الاحتياجات الطبية في هذا الوقت.‏

محمود طفل يبلغ من العمر ‏‎5‎‏ سنوات، تم تشخيصه بداء السكري عندما كان عمره سنتين. وهو من قرية الشجرة بالقرب من ‏ناحية العباسي، والتي تبعد ‏‎18‎‏ كيلومتراً عن مركز قضاء الحويجة.‏

Mahmoud
محمود البالغ من العمر 5 سنوات، يتردد إلى مركز أطباء بلا حدود للرعاية الصحية الأساسية في العباسي لتلقّي الاستشارة والعلاج لمرض السكّري. التقطت هذه الصورة في فبراير/شباط 2019.
MSF

لم يكن محمود قادراً على تلقي العلاج الذي يحتاجه بشكل منتظم في السنوات الأخيرة نظراً لعدم توفر مرافق صحية عاملة ‏وانعدام الأمن في القضاء. في أثناء الهجوم العسكري، انفجر صاروخ بجانب بيت محمود، فأصابه الذعر، إذ كان الصوت ‏مروعاً. عقب الانفجار بعدة أشهر، يستفيق محمود في الليل باكياً، وهو يصرخ بسبب الكوابيس. ويزور الولد الآن عيادة ‏منظمة أطباء بلا حدود في العباسي مرة واحدة في الشهر، للحصول على الاستشارة الطبية والعلاج.

أنشطة أطباء بلا حدود في كركوك

تقدم فرق منظمة أطباء بلا حدود رعاية الأمراض المزمنة من خلال الاستشارة الطبية والعلاج والمشورة حول أنظمة الحياة ‏الصحية، فضلاً عن جلسات التثقيف الصحي وخدمات الرعاية النفسية في كل من الحويجة والعباسي. أرقام من مركز العباسي للرعاية الصحية الأساسية في عام 2018:

أطباء بلا حدود تستجيب للاحتياجات الطبية وغير الطبية

واستجابةً لنقص الخدمات الطبية في المنطقة بعد النزاع الحالي، افتتحت منظمة أطباء بلا حدود مشروعاً في ديسمبر/كانون ‏الأول ‏‎2017‎‏ في ناحية العباسي، في قضاء الحويجة، بهدف توفير رعاية الأمراض المزمنة ومياه الشرب النظيفة للسكان ‏العائدين إلى المنطقة، وذلك بالتعاون مع مديرية الصحة والمياه العراقية. وفي أبريل/نيسان ‏‎2018‎، بدأت منظمة أطباء بلا ‏حدود أيضاً بدعم مركز الرعاية الصحية الأولية ومستشفى الحويجة العام.‏

غيداء جاسم ممرضة تعمل مع منظمة أطباء بلا حدود في الحويجة، وهي تقول، "هنالك حاجة ماسة لعلاج الأمراض ‏المزمنة، حيث أن الأدوية محدودة في المستشفيات وليس باستطاعة الناس تحمل تكلفة شرائها. نقوم باستقبال المرضى الذين ‏يعيشون مع الأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، وداء السكري، والصرع، وأمراض القلب. وتعد خدماتنا أساسية بالنسبة ‏لهم".‏

وتكمل غيداء: "أنا من قضاء الحويجة، ولكن عندما سيطرت جماعة الدولة الإسلامية على المنطقة، قررنا الانتقال إلى ‏كركوك. والآن، أنا فخورة بالعودة إلى هنا كل يوم، إلى حيث أنتمي، وكجزء من الفريق الطبي التابع لمنظمة أطباء بلا ‏حدود، فأشعر بأنني أساند أهلي بالخدمات التي هم بأمس الحاجة لها. وأتأمل أن يخفف ذلك على الأقل من عبء كل ما ‏مرّوا به".

عملت منظمة أطباء بلا حدود في العراق لأول مرة في ‏‎1974‎، حيث قدمت المساعدة الطبية للسكان النازحين على طول ‏الحدود العراقية-الإيرانية. ومنذ ‏‎1991‎، تعمل منظمة أطباء بلا حدود في العراق في محافظات بغداد وديالى وإربيل ونينوى ‏وكركوك.‏

ولضمان استقلاليتها، لا تقبل منظمة أطباء بلا حدود التمويل من أي حكومة أو وكالة دولية لبرامجها في العراق، حيث ‏تعتمد فقط على التبرعات الخاصة من حول العالم لتنفيذ مشاريعها.‏

المقال التالي
العراق
تقارير 18 يونيو/حزيران 2019