Treating Mosul’s wounded
العراق

قصص الصغار من جرحى الموصل ورحلتهم مع التعافي

بينما تنام عهد ابنة التسع أعوام في سرير المستشفى نوماً عميقاً، تضع خالتها رنا يدها على رأس الفتاة الصغيرة ‏وتهمس، "أرجو فقط أن تشفى عهد من جروحها كي تكفّ عن تذكيرها بما حصل لعائلتها".‏

في 19 يونيو/حزيران 2017، بلغت معركة الموصل أوجها مع محاولة الجيش العراقي استعادة الربع الأخير من ‏المدينة القديمة من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية.‏

وتروي رنا قصة عهد قائلةً، "كانت عائلة عهد تعيش في المنطقة وحاولت الفرار، ولكن مقاتلي تنظيم الدولة ‏الإسلامية أعادوها ووضعوا المتفجرات حول منزلها، قبل أن يتسلقوا سطح المنزل لاستخدامه كموقع استراتيجي لهم. ‏وبعد فترة وجيزة، ضربت غارتان جويتان الحي، ما تسبب بمقتل سبعين عائلةً في غضون دقائق. ولم ينجُ من ‏الحادثة إلا عهد وأختاها وأحد جيرانهم".‏

رنا، خالة عهد ما زالت عهد حتى اليوم في حالة من الصدمة نتيجة أصوات الانفجارات. خسرت في ذلك اليوم والديها وأخاها التوأم وشيئاً من ‏براءتها.‏
Treating Mosul’s wounded

نجت عهد ولكن الشظايا اخترقت جسمها بأكمله. واليوم، بعد مضي 22 شهراً وخضوعها 27 عملية جراحية، لم ‏تسترد بعد عافيتها بالكامل.‏

تُعتبر عهد واحدة من أطفال كُثر تلقوا العلاج في مستشفى منظّمة أطبّاء بلا حدود في شرق الموصل العام الفائت. ‏افتتح المرفق في أبريل/نيسان 2018، وهو يقدّم الرعاية الشاملة ما بعد العمليات الجراحية للمرضى ذوي الإصابات ‏البالغة. ‏

وفي هذا الصدد، تقول المنسّقة الميدانية في المستشفى إيتا هيلاند-هانسن، "يحتاج الكثير من جرحى الحرب إلى ‏الرعاية المُتابِعة لحالاتهم. لقد ألحق الهجوم العسكري في الموصل أضراراً فادحة في النظام الصحي المحلي. ‏ولذلك، نحن هنا لنحرص على أن يتلقى السكان الرعاية الصحيّة والعلاج وسط هكذا بيئة حافلة بالتحديات".‏

أرقام من مرفق أطباء بلا حدود لرعاية ما بعد الجراحة خلال العام الواحد منذ افتتاحه:

رحلة التعافي الطويلة

على بُعد بضعة أسرّة من عهد، يستلقي على سريره مستيقظاً تماماً مراهقٌ يُدعى علي. تحيط بساقه مثبتات معدنية، ‏ولكن لا يبدو أنّها تشكّل مصدر إزعاج له. يلعب الشاب البالغ من العمر 14 عاماً بحماسة على هاتفه، ومن دون ‏أن يشيح بنظره عن الشاشة، وتراه يشرح الغرض من اللعبة للأطبّاء الذين يزورونه خلال جولاتهم الطبيّة اليوميّة. ‏

في هذه اللعبة، ينزل علي بمظلّته على جزيرةٍ حيث يتوجّب عليه البحث عن الأسلحة والمعدات لقتل لاعبين آخرين ‏وتفادي التعرّض للقتل. ويقول عن هوايته هذه، "في المنزل، لم تكن أمي تسمح لي لعب هذه اللعبة مع إخوتي لأنّها ‏برأيها لعبة عنيفة غير ملائمة لمن هم من عمري. لكن هنا هي أكثر تساهلاً معي لأنّها تعلم أنّني أشعر بالملل ‏معظم الوقت".

Treating Mosul’s wounded
علي ابن الأربعة عشر ربيعاً يلعب على هاتفه لتمضية وقته في مرفق أطباء بلا حدود لرعاية ما بعد الجراحة في الموصل، والذي أدخل إليه قبل أسابيع إثر وقوعه من على دراجته. التقطت هذه الصورة في فبراير/شباط 2019.
Elisa Fourt/MSF

يتواجد علي في المركز منذ أسبوعَين بعد أن سقط عن دراجته الهوائية وأُصيب بجروح بالغة في ساقه. ليس جميع ‏المرضى في المركز جرحى حرب، إذ أنّ منظّمة أطبّاء بلا حدود تستقبل أيضاً المصابين بجروح إثر الحوادث ‏اليومية.‏

ويعرف علي حقّ المعرفة أنّه مضطر إلى الخضوع لعلاج فيزيائي لبضعة أسابيع إضافية قبل أن يتمكّن من الوقوف ‏مجدداً على رجلَيه، ولكن الأطبّاء متفائلون للغاية بشأن تعافيه. أمّا بالنسبة إلى آخرين، فإنّ الطريق إلى المشي ‏مجدداً أطول. ‏

يجلس عبدالله البالغ من العمر 12 عاماً خارج الجناح. أنهى لتوّه جلسة التأهيل ويحاول ألّا يُظهر كم أجهده التمرين. لديه ‏ساق واحدة ولا يمكنه أن يحصل بعد على طرف صناعي. أُصيب عبدالله في صيف العام 2018 في انفجار نجم ‏على ما يظنّ أنّه لغم أرضي. كان أخوه برفقته آنذاك وتوفي على الفور بسبب الانفجار.‏

عبدالله حاول الأطبّاء إنقاذ ساقي لكنّهم لم يستطيعوا القيام بذلك. بقيت في المستشفى لمدة شهر. ومن ثم عدت إلى المنزل ‏من دون ساقي ومن دون أخي.‏
Treating Mosul’s wounded

ومنذ ذلك الحين، يزور عبدالله مستشفيات مختلفة لتتم معاينة جراحه. وبعد مضي عام تقريباً، لم يسترد عبدالله بعد ‏عافيته بالكامل. عندما أُدخل إلى مستشفى أطبّاء بلا حدود منذ بضعة أسابيع، اكتشف الأطبّاء أن عبدالله يعاني ‏من مقاومة المضادات الحيوية. فيتنهد قائلاً، "لهذا السبب تستغرق عملية التحسّن وقتاً أطول".‏

العبء الخفي وراء الإصابات

لا يُعدّ عبدالله المريض الوحيد الذي يعاني من هذه الحالة، فأكثر من ثلث المرضى في مستشفى أطبّاء بلا حدود ‏يعانون من نوع من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية ‏. ‏
سليم، جار عبدالله في المستشفى، هو صبي في العمر نفسه تقريباً. يعاني بدوره من مقاومة المضادات الحيوية ‏ويتوجّب عليه البقاء في غرفة العزل لتفادي انتشار عدوى بكتيرية مقاومة للمضادات الحيويةأربعون بالمئة من المرضى الذين أُدخلوا إلى المستشفى بين أبريل/نيسان ومنتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2018 يعانون من عدوى مؤكّدة ‏ميكروبيولوجياً. ومن بين هؤلاء، تسعون بالمئة مصابون بالعدوى المقاومة للأدوية المتعدّدة. ولم تكن عدوى ستين بالمئة من المرضى المُدخلين إلى ‏المستشفى مؤكّدة (إمّا أنهم لم يُظهروا أي علامات سريرية للعدوى أو أنّهم أبدوا بعض العلامات المتوافقة مع العدوى ولكن لم يتم تأكيدها).‏.‏

في ديسمبر/كانون الأول 2018، صدم باصٌ سليم وهو في طريقه إلى المدرسة. ويقول في هذا السياق، "نُقلت فوراً ‏إلى أقرب مستشفى. في بداية الأمر، أخبر الأطبّاء أبي بأنّني على الأرجح سأفقد ساقاي. شعرت بخوف شديد، ‏ولكن فيما بعد، أتى طبيب آخر وقال إنّه سيبذل قصارى جهده لإنقاذهما. خضعت لأربع عمليات جراحية، ثم لثماني ‏عمليات أخرى منذ وصولي إلى مستشفى أطبّاء بلا حدود في يناير/كانون الثاني". ‏

وأمضى سليم منذ وصوله معظم وقته في غرفته، يقرأ كتبه المدرسية ويلعب الدومينو مع الاختصاصية النفسية في ‏المركز. ويضيف قائلاً، " وأصبح لدي أصدقاء من بين الفتيان المرضى في المستشفى، لكن لا نستطيع أن نمضي ‏الكثير من الوقت سويًا فمعظمنا مصاب بعدوى بكتيرية ويرتدي زيًا عازلًا أخضر".‏

Treating Mosul’s wounded
سيف (إلى اليسار) وسليم (إلى اليمين) صديقين يتلقيان العلاج لإصابتهما في مرفق أطباء بلا حدود لرعاية ما بعد الجراحة في الموصل. التقطت هذه الصورة في فبراير/شباط 2019.
Elisa Fourt/MSF

وصديق سليم، سيف، هو أحد أصغر المرضى سناً في المرفق، وصل إليه منذ عدة أشهر. نزحت عائلته بسبب ‏النزاع الأخير وتعيش في مخيم لا يبعد كثيراً عن الموصل. ‏

ويشرح سيف قائلاً، " لم تكن الحياة في المخيّم سهلة لكني كنت سعيدًا لأنني لم أتوقف عن الذهاب إلى المدرسة. ‏وفي يوم من الأيام، رمى أحد الفتيان في المدرسة صخرة علي فانكسرت ساقي". ‏

تنقّل سيف من مستشفى إلى آخر قبل أن ينتهي المطاف به في مستشفى أطبّاء بلا حدود في شرق الموصل. ‏واكتشف فريق المنظّمة في المرفق أنّ سيف يعاني أيضاً من مقاومة المضادات الحيوية. ‏

ويُكمل سيف، "قال لي الأطباء أنّ التعافي يستغرق وقتًا طويلًا لأنّ في جسمي بكتيريا تجعل الأمر صعبًا. كذلك ‏يمكن لهذه البكتيريا أن تضر الآخرين، لهذا وضعني الأطبّاء في غرفة العزل هذه". ‏

يزور يومياً فريق الصحة النفسيّة والتوعية الصحيّة التابع لأطبّاء بلا حدود سيف والمرضى الآخرين الذين يعانون ‏من مقاومة المضادات الحيوية لمساعدتهم على التكيّف مع ظروف علاجهم.‏

Treating Mosul’s wounded
عهد وسيف وسليم أطفال يتلقون العلاج لإصابات مختلفة في مرفق أطباء بلا حدود في الموصل. فبراير/شباط 2019.
Elisa Fourt/MSF

وأثبت مرفق منظّمة أطبّاء بلا حدود في شرق الموصل، بعد عام على افتتاحه، أنّه يتمتّع بأهمية حاسمة في عملية ‏شفاء هؤلاء المرضى. ‏

وكما تشرح إيتا هيلاند-هانسن قائلةً، "تنقّل معظمهم من مستشفى إلى آخر لتلقي العلاج قبل الوصول إلى هنا، ‏ولكنّهم عجزوا ببساطة عن التعافي، إمّا لعدم توفر الرعاية ما بعد العمليات الجراحية حيث كانوا أو لأنّ أحداً لم ‏يلاحظ أنّهم طوّروا نوعاً من مقاومة المضادات الحيوية. وفي الكثير من الحالات، كان الأمر ناجم عن كلا ‏السببَين..." ‏

حتى يومنا هذا، مرفق أطباء بلا حدود واحد من المراكز القليلة في العراق القادرة على تحديد هؤلاء المرضى ‏ومعالجتهم بالشكل الصحيح، ويفسّر هذا في حدّ ذاته سبب وجودنا في البلاد. ‏

لربّما انتهت معركة الموصل منذ عامَين، ولكن الاحتياجات ما زالت كبيرة. من المهمّ بالنسبة إلينا أن نتواجد هنا ‏وألّا يغيب هؤلاء المرضى عن البال بتاتاً.‏

تُقدّم منظّمة اطبّاء بلا حدود الخدمات المُنقذة للحياة إلى الأشخاص المحاصرين في العنف داخل الموصل وفي أرجائها منذ ‏أواخر العام 2016. وعلى مرّ العامَين 2017 و2018، قامت المنظّمة بإدارة مجموعة من المرافق التي تُعنى بتحقيق ‏استقرار حالات الإصابات البالغة في شرق الموصل وغربه، وأدارت كذلك مجموعة من الخدمات التي تشمل الرعاية الطارئة ‏والعناية المركزة، والجراحة، والرعاية الصحية للأمهات في أربعة مستشفيات، وخدمات الرعاية النفسيّة في ثلاثة مراكز ‏للرعاية الصحيّة الأساسيّة. وافتتحت المنظّمة في أبريل/نيسان 2018 مركز الرعاية الشاملة بعد العمليات الجراحية في شرق ‏الموصل.‏

ومع ما يزيد عن 1,500 موظّفٍ في العراق، تُقدّم منظّمة أطبّاء بلا حدود الرعاية الصحيّة الأساسيّة والمتخصّصة، ‏والخدمات إلى الحوامل والأمهات الجدد، والعلاج للأمراض المزمنة، والعمليات الجراحية وإعادة التأهيل لجرحى الحرب، ‏ودعم الصحة النفسيّة، وأنشطة التثقيف الصحي. وتعمل المنظّمة حالياً في محافظات أربيل وديالى ونينوى وكركوك وبغداد.‏