بقلم راشيل ميلكوفيتش، اختصاصية أولى في سياسات الصحة العالمية والمناصَرة، وراكيل فيفيز فونت، مستشارة في مجال رعاية الصحة الجنسية والإنجابية
حين تقدّم أطباء بلا حدود الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، فهي تقف إلى جانب النساء والفتيات في أكثر مراحل حياتهنّ هشاشة: خلال الفترة الحرجة المحيطة بالولادة، وحين يكون خطر الوفاة في أعلى مستوياته للأم والطفل على حد سواء، وبعد التعرّض للعنف الجنسي، أو عندما يكون الحمل غير مرغوب فيه أو مهددًا للحياة.
ويحتاج الأشخاص الذين يعيشون في سياقات الطوارئ الإنسانية إلى هذه الرعاية بشكلٍ أساسي. فعلى مستوى العالم، تَحدُث 58 في المئة من وفيات الأمهات، و50 في المئة من وفيات حديثي الولادة، و51 في المئة من حالات ولادة جنين ميت في البيئات الهشة والمتأثّرة بالنزاعات1. لذلك، تقدّم أطباء بلا حدود خدمات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية للمجتمعات التي تواجه الأزمات والإقصاء، باعتبارها جزءًا أساسيًا ومنقذًا للحياة من الرعاية الإنسانية.
غير أنّ الرعاية في هذا المجال غالبًا ما تُعامل كأولوية ثانوية أو غير ضرورية مقارنةً بالتخصّصات الأخرى، ما ينعكس في نقصٍ مزمن في التمويل والموارد على المستوى العالمي. فبين عامي 2022 و2023، انخفضت المساعدات الإنمائية الرسمية المخصّصة لهذا المجال بنحو الثلث، مع استمرار هذا التراجع تدريجيًا عامًا بعد عام2.
ورغم أنّ الحكومة الأمريكية نفّذت أكبر التخفيضات3، فقد أقدمت دول أخرى، من بينها ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وهولندا والسويد، على تقليص تمويلها لهذا القطاع في السنوات الأخيرة4.
حتى عندما تتوفّر خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، تبقى هذه الرعاية مسيّسة وغالبًا ما تُعامل كساحة صراع أيديولوجي. فإلى جانب خفض التمويل، تتقدّم حركات معادية لهذه الخدمات بفرض سياسات تقييدية تُقلّص من إمكانية الوصول إليها.
حتى عندما تتوفّر خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، تبقى هذه الرعاية مسيّسة وغالبًا ما تُعامل كساحة صراع أيديولوجي.
وتعي فرق أطباء بلا حدود أهمية هذه الرعاية من خلال ما تراه يوميًا من عواقب غيابها: نساء يصلن في مراحل متأخّرة من مضاعفات الحمل الشديدة؛ حديثو ولادة لا ينجون في أيامهم الأولى؛ وفيّات كان يمكن تفاديها عبر وسائل منع الحمل أو رعاية الإجهاض الآمن؛ وحالات ولادة جنين ميت كان من الممكن تجنبّها.
وفي المقابل، نلمس الأثر العميق لهذه الرعاية عندما تصل إلى من يحتاجونها، والارتياح الكبير الذي يرافق حصولهم عليها. ونرى أيضًا كيف يمكن للإنجاب أن يكون تجربة كريمة وإنسانية عندما تتوفّر رعاية تحترم قرار النساء وتدعمهنّ في اتخاذ قرارات مستنيرة وبعيدة عن أي إكراه.
ومع تزايد التغيّرات في أنماط التمويل والديناميات السياسية التي تهدّد توافر هذه الخدمات، يجب أن ندرك أنّ حاجة السكان إلى هذه الرعاية المنقذة للحياة لن تختفي. فعندما تُغلق المرافق وتتوقف الخدمات، يواجه العاملون في المجال الصحي الذين يواصلون عملهم صعوبات متزايدة في تلبية احتياجات المرضى.
وتتحمّل النساء والفتيات العبء الأكبر من هذه التحديات، إذ يضطررن إلى قطع مسافات أطول وتكبّد مشقّة أكبر للوصول إلى هذه الرعاية.
تشهد فرق أطباء بلا حدود العواقب المدمّرة لتقلّص خدمات الصحة الجنسية والإنجابية
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، يُعدّ العنف الجنسي حالة طوارئ مستمرة منذ سنوات طويلة. ففي عام 2025، قدّمت فرق أطباء بلا حدود الرعاية لأكثر من 54,000 من الضحايا والناجين والناجيات في مختلف أنحاء البلاد. ويعني ذلك أن حجم هذه الأزمة يتجاوز قدرة أطباء بلا حدود على الاستجابة وحدها.
وخلال العام نفسه، كان من المقرّر أن تتلقّى منظمات أخرى 100,000 من مستلزمات رعاية ما بعد الاغتصاب، التي تشمل أدوية للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية وغيره من العدوى المنقولة جنسيًا، إلا أنّ هذا الطلب أُلغي بعد تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية5. وفي كيفو الشمالية، في مواجهة فجوات الإمداد، تدخّلت أطباء بلا حدود لشراء العلاج الوقائي بعد التعرّض لفيروس نقص المناعة البشرية.
أما في كينيا، فقد أدّى الانسحاب المفاجئ للتمويل الأمريكي، الذي كان يغطّي 24 في المئة من البرامج الوطنية لتنظيم الأسرة، إلى حرمان قرابة 6.2 مليون شخص من الوصول إلى وسائل منع الحمل6. وأدّى إغلاق الخدمات إلى اضطرابات كبيرة في تقديم الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، خصوصًا للفئات الأكثر تهميشًا، بما في ذلك مجتمع الميم عين والعاملين في مجال الجنس، الذين يواجهون أصلًا وصمًا وتمييزًا وإقصاءً اجتماعيًا عند طلب الرعاية.
وفي جنوب السودان، بدأت أطباء بلا حدود بدعم قسم الولادة في مستشفى مقاطعة الرنك عبر توفير الإمدادات والحوافز المالية للكوادر، بعدما اضطرّت منظمة إنسانية أخرى إلى سحب دعمها نتيجة خفض التمويل في سبتمبر/أيلول. وسرعان ما لاحظ فريق طب الأطفال في المستشفى آثار هذه التغيّرات على صحة حديثي الولادة، ما دفعنا إلى توسيع نطاق دعمنا.
العمل في بيئات معادية للصحة الجنسية والإنجابية
إلى جانب التخفيضات في التمويل، نشهد تصاعدًا في جرأة الحركات المعارِضة للرعاية في مجال الصحة الجنسية والإنجابية، فضلًا عن إجراءات سياسية جديدة تهدف إلى تقييد الوصول إلى هذه الخدمات الأساسية.
ومن بين هذه الإجراءات "إعلان توافق جنيف"، وهو وثيقة غير مُلزمة تفتقر إلى أي سلطة فعلية أو صلاحية تنفيذية حقيقية7، تُستخدم للترويج لمفاهيم أسرية نمطية قائمة على الهيتيرونورماتيفية أو المعيارية المغايرة، ولتقويض إمكانية الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وإلى رعاية شاملة تراعي مجتمع الميم عين على مستوى عالمي.
أما البلدان التي تسعى إلى تطبيق "إعلان توافق جنيف" عبر إصلاحات وطنية، فتستخدم خطابًا يُحرّف الاتفاقيات العالمية المُتفاوض عليها، ويدفع باتجاه معايير جندرية رجعية، ويؤكّد على عدم وجود حق دولي في الإجهاض.
وفي السياق نفسه، أطلقت الحكومة الأمريكية، مطلع عام 2026، سياسة "تعزيز ازدهار الإنسان في المساعدات الخارجية"، موسّعةً بذلك نطاق "قاعدة كم الأفواه العالمي" إلى أكثر صيغها تشددًا حتى اليوم. وعلى مدى عقود، طُبّقت هذه القاعدة بشكلٍ متقطّع لمنع الشركاء المموَّلين من الولايات المتحدة من تقديم خدمات الإجهاض أو الإحالة إليها أو تقديم المشورة بشأنها أو مناصرتها باستخدام أموال غير أمريكية، حتى في البلدان التي يكون فيها الإجهاض قانونيًا8.
وتوسّع سياسة "تعزيز ازدهار الإنسان في المساعدات الخارجية" نطاق هذه القاعدة، وتضيف قيودًا جديدة على الخدمات الشاملة لمجتمع الميم عين وعلى برامج التنوع والإنصاف والشمول. ويمثّل ذلك تقييدًا غير مسبوق على مستوى النظام بأكمله، يؤثر على جميع قطاعات المساعدة وجميع الجهات المنفذة الرئيسية وجميع المجالات الصحية9.
تجدر الإشارة إلى أنّ غياب رعاية الإجهاض الآمن لا يمنع النساء والفتيات من محاولة إنهاء حمل غير مرغوب فيه، بل يدفع كثيرات إلى اللجوء إلى أساليب خطيرة قد تؤدي إلى النزيف أو العدوى أو إصابات الأعضاء أو العقم أو الوفاة.
وتعالج أطباء بلا حدود بشكلٍ روتيني مريضات يعانين من مضاعفات ناجمة عن الإجهاض غير الآمن، الذي يبقى أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأمهات والأمراض المرتبطة بالحمل في العديد من مواقع عملنا. وتلاحظ فرقنا مرارًا أنّ النساء والفتيات يؤخّرن طلب الرعاية الطبية بسبب مخاوف من التعرّض للوصم أو العقاب.
هذه العواقب الوخيمة ليست حتمية. فإتاحة الوصول إلى رعاية الإجهاض الآمن في الوقت المناسب، باستخدام أساليب مثبتة علميًا ، تقي من المعاناة والوفاة بفعالية.
غير أنّ هذه العواقب الوخيمة ليست حتمية. فإتاحة الوصول إلى رعاية الإجهاض الآمن في الوقت المناسب، باستخدام أساليب مثبتة علميًا10، تقي من المعاناة والوفاة بفعالية. وغالبًا ما تفيد النساء والفتيات اللواتي حصلن على رعاية إجهاض آمن بأنهنّ حقّقن نتائج صحية وخضن تجارب أكثر إيجابية في السنوات التي تلت قرارهن، مقارنةً بمن لا يتمكّن من الوصول إلى هذه الرعاية11. وعليه، ينبغي أن تكون هذه الرعاية المنقذة للحياة متاحة بسهولة لجميع النساء اللواتي يحتجن إليها، أينما وُجدن.
وغالبًا ما تُصوِّر تدابير مثل "إعلان توافق جنيف" وسياسة "تعزيز ازدهار الإنسان في المساعدات الخارجية" رعاية الإجهاض الآمن ووسائل منع الحمل على أنها تتعارض مع صحة الأمهات وحديثي الولادة والأطفال، أو أنها خيارات لا يمكن الجمع بينها.
إلا أن خبرة أطباء بلا حدود تُظهر أن الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية تمثّل طيفًا متكاملًا من خدمات الرعاية التي يعتمد عليها المرضى في مراحل مختلفة من حياتهم. فعلى سبيل المثال، قد تلتمس امرأة رعاية الإجهاض لأنها لا تشعر بالاستعداد للأمومة في تلك المرحلة من حياتها، ثم تقرّر لاحقًا أنها ترغب في الحمل والإنجاب. وعندما تتدخّل السياسة في هذه القرارات، قد تكون العواقب وخيمة، بل ومهدّدة للحياة.
ورغم أنّ أطباء بلا حدود لا تتلقّى تمويلًا من الحكومة الأمريكية، ولا تُلزَم بالتالي بالامتثال لسياسة "تعزيز ازدهار الإنسان في المساعدات الخارجية"، فإن المرضى والمجتمعات التي نخدمها لا تعيش بمنأى عن بيئة تُسيَّس فيها الصحة الجنسية والإنجابية، وتخضع للتدقيق والقيود.
بالنسبة لأطباء بلا حدود، لا تُعدّ الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية خدمةً اختيارية، بل تشكل جزءًا أساسيًا من رسالتنا الإنسانية.
التزامنا بتقديم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية المنقذة للحياة
يستند نهجنا في تقديم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية إلى ميثاق أطباء بلا حدود. فنحن نوفّر المساعدة الطبية من دون تحيّز استنادًا إلى الاحتياجات، ونلتزم بأخلاقيات المهنة الطبية العالمية، ونحافظ على استقلاليتنا.
كما نلتزم باتباع الإرشادات الطبية التي تعزّز استقلالية الأفراد، وتصون كرامتهم، وتضعهم في صميم الرعاية الصحية، إيمانًا منا بأنّ هذه المبادئ تسهم في تحقيق نتائج صحية أفضل للمرضى والمجتمعات.
وبالنسبة لأطباء بلا حدود، لا تُعدّ الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية خدمةً اختيارية، بل تشكل جزءًا أساسيًا من رسالتنا الإنسانية. وسنواصل تقديم خدمات شاملة وقادرة على الصمود في وجه الأزمات وحالات الطوارئ، ترتكز على مبادئ الإنصاف والشمول.
إخلاء بالمسؤولية:
على الرغم من أنّ هذه المقالة تستخدم مصطلحي "النساء" و"الفتيات"، فإننا نُقرّ بأن الأشخاص المتحوّلين جنسيًا، وثنائيي الجنس، والأشخاص غير المنتمين إلى التصنيف الثنائي للجندر قد يختبرون الحمل أيضًا ويحتاجون إلى خدمات منع الحمل. ونعمل على ضمان أن تكون خدماتنا شاملة لجميع الهويات الجندرية، كما نسعى إلى إزالة جميع العوائق التي تحول دون الحصول على خدمات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية.
منظمة الصحة العالمية: https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/maternal-mortality
الحملة الدولية لحق المرأة في الإجهاض الآمن: https://www.safeabortionwomensright.org/news/donors-donors-delivering-for-srhr/
المعايير المحاسبية الدولية للقطاع العام: https://www.ipas.org/resource/protego-operationalizing-the-geneva-consensus-declaration/
سياسة مدينة مكسيكو: شرح مفصل: https://www.kff.org/global-health-policy/the-mexico-city-policy-an-explainer/
منظمة أطباء بلا حدود في الولايات المتحدة الأمريكية: https://www.doctorswithoutborders.org/latest/msf-condemns-sweeping-expansion-global-gag-rule
بيغز، م.أ.، فوستر، د.ج. (2024). ما هو تأثير الإجهاض على الصحة النفسية؟ في: بيندمان، ج. (محرر) دليل أخصائي الصحة النفسية لرعاية الإجهاض. سبرينغر، تشام: https://www.ansirh.org/research/ongoing/turnaway-study