Skip to main content
MSF ETC in Goma admitted its first patients
© Daniel Buuma

التزامنا ببناء منظمة يشعر فيها الجميع بالأمان

© Daniel Buuma

على مدى السنوات الثماني الماضية، نشرت منظمة أطباء بلا حدود أرقامًا سنوية حول بلاغات عن حالات الإساءة والسلوك المسيء داخل منظمتنا. وتحمل الأرقام الأخيرة قصةً مهمة وإن كانت صعبة. فكما هو الحال في السنوات السابقة، استمرّ عدد الشكاوى في الازدياد. وقد يعني هذا أن الناس باتوا على دراية أكبر بأنظمة الإبلاغ لدينا، وأنهم يشعرون بقدر أكبر من الثقة في التقدّم بشكواهم، لكنه يوضح أيضًا حجم العمل الذي ما زال ينتظرنا لمنع الانتهاكات داخل منظمتنا والتصدي لها.

ومن بين أخطر الحالات التي واجهتنا العام الماضي، كانت تلك التي وقعت في شرق تشاد. فقد خلصت التحقيقات التي أجريناها واكتملت في يونيو/حزيران 2025، عقب تنبيهات أوردتها وسائل الإعلام، إلى وجود حالات خطيرة من الإساءة والسلوك المسيء تورّط فيها أشخاص يعملون لصالح أطباء بلا حدود، بما في ذلك الاستغلال والاعتداء والتحرش الجنسي.

شملت مراجعتنا 16 محققًا عملوا على مدى ثمانية أشهر لفحص 59 ادعاءً يتعلّق بموظفين وغيرهم، كالموردين، ممن لهم صلة بمنظمة أطباء بلا حدود. وحيثما تمكّنا من إثبات وقوع إساءة أو سلوك مسيء وتحديد المسؤولين عنه، اتُّخذت الإجراءات اللازمة. وتم فصل ثمانية عشر موظفًا ومنعهم نهائيًا من العمل مع أطباء بلا حدود.

والأهم من ذلك، أود أن أقرّ بالضرر الذي لحق بالمرضى والزملاء الذين تعرّضوا للإساءة. وبصفتي الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، أشعر بمسؤوليةٍ عميقة وأسفٍ بالغ لإخفاقنا في حماية سلامة الناس. فالاستغلال والاعتداء والتحرش الجنسي كلها أفعال تتنافى تمامًا مع مبادئ المنظمة وقيمها والتزاماتها في مجال الحماية والصون. وعندما تحدث، فإنها تُمثّل خيانة عميقة للثقة، وقد تخلّف عواقب وخيمة على الناجين والمجتمعات المحلية وعلى زملائنا.

والأهم من ذلك، أود أن أقرّ بالضرر الذي لحق بالمرضى والزملاء الذين تعرّضوا للإساءة. د. جافيد عبد المنعم، الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود

وكوني من أصول سودانية، ولديّ أفراد من عائلتي فرّوا من الحرب في السودان، فإن ما حدث في شرق تشاد يمسّني على المستوى الشخصي أيضًا. فالنساء اللواتي نجَين بالفعل من عنف مروّع في السودان، ولجأن إلى تشاد بحثًا عن الأمان، كان من حقهنّ أن يجدن لدى أطباء بلا حدود الكرامة والاحترام والأمان. وكانت من بين المتضررات أيضًا زميلات لنا في المنظمة. ما حدث غير مقبول على الإطلاق، وما كان ينبغي أن يحدث أبدًا.

وقد كشفت تحقيقاتنا عن أوجه قصور مهمّة في تدابير الحماية والصون التي كنا نطبّقها. فمع التوسع السريع لفرقنا للاستجابة لمئات الآلاف من الوافدين من السودان، لم نضمن بصورة متسقة أنّ جميع الموظفين يفهمون التزاماتنا السلوكية ويلتزمون بها، كما لم نعمل على تقييم مخاطر الحماية والصون والتخفيف منها بشكلٍ منهجي. وكان ينبغي لنا أن نبذل مزيدًا من الجهود لضمان أن يعرف المرضى وأفراد المجتمعات المحلية والموظفون كيفية الإبلاغ عن حالات الإساءة بأمان وسرية.

ويجب أن نقرّ أيضًا بأن الدعم الذي قدّمناه للناجيات والناجين الذين تمكّنا من تحديدهم كان محدودًا، إذ اقتصر إلى حدّ كبير على الدعم الطبي والنفسي.

ثمة عوائق كبيرة قد تحول دون وصول الناجيات والناجين إلى الدعم، سواء داخل أطباء بلا حدود أو خارجها، وقد تكون هذه العوائق أشدّ وطأة في الأماكن التي نعمل فيها. فقد يواجه الناجون وصمة عار كبيرة وتبعات جسيمة جراء التقدّم بشكواهم؛ وقد تكون الخدمات المناسبة التي تضع احتياجات الناجين في صميمها محدودة أو يصعب الوصول إليها، أو قد لا تكون معروفة أو موثوقة على نطاق واسع؛ كما قد تواجه النساء بشكلٍ خاص قيودًا عمليّة، منها مسؤوليات الرعاية، مما يجعل من الصعب عليهنّ طلب الدعم أو الحصول عليه. وهذا ما يجعل العمل الوقائي والسعي الاستباقي إلى كشف حالات الإساءة قبل وقوع الضرر أكثر أهمية.

وعلى الرغم من هذه التحديات، برزت الحاجة إلى بذل جهد أكبر للتواصل بشكلٍ استباقي مع الناجين، وفهم احتياجاتهم وأولوياتهم الفردية، وتحديد أشكال المساعدة المناسبة، بما في ذلك أشكال الدعم التي تتجاوز ما يمكن لأطباء بلا حدود تقديمه مباشرة.

دفعتنا هذه النتائج إلى إجراء تغييرات مهمة في شرق تشاد. فقد عزّزنا عمليات التوظيف والتأهيل والتدريب، وأجرينا تقييمات للمخاطر في جميع برامجنا، ووضعنا تدابير للتخفيف من المخاطر التي جرى تحديدها، وزدنا الدعم المتاح لفرقنا في مجال الحماية والصون بحيث يتمكنون من كشف المخاطر والاستجابة لها في وقتٍ أبكر. كما عملنا مع المرضى والجمعيات النسائية وقادة المجتمعات المحلية لزيادة الوعي بماهية الإساءة، وضمان معرفة الناس بكيفية الإبلاغ عن مخاوفهم.

وخارج نطاق شرق تشاد، عزّزنا على مدى العام الماضي عمليات الفرز العالمية لمنع الأشخاص الذين ثبت ارتكابهم حالات إساءة أو سلوك غير لائق من الانتقال بين مشاريع أطباء بلا حدود أو إعادة توظيفهم في أي قسم آخر من المنظمة. كما نعمل على تحسين حزمة الدعم التي يمكننا تقديمها للناجين. يمكنكم قراءة المزيد عن الأحداث التي وقعت في شرق تشاد واستجابتنا لها في الشرح المخصص للتحقيق في حالات الإساءة وتعزيز الوقاية منها في شرق تشاد، والذي يمكنكم الاطلاع عليه هنا.

ما حدث في شرق تشاد يعكس أيضًا أوجه عدم المساواة واختلال موازين القوى الأوسع نطاقًا، التي تقع على عاتقنا مسؤولية مواجهتها داخل أطباء بلا حدود. فالنساء يواجهن خطرًا أكبر للتعرّض للإساءة، لا سيّما الانتهاك الجنسي، في حين أنّ النزاعات والنزوح والحرمان والاعتماد على المساعدات الإنسانية قد تخلق اختلالات كبيرة في موازين القوى، مما قد يزيد من مخاطر الإساءة. وفي ظل هذه الظروف، يصبح من الضروري أن نتأكّد من أنّ تدابير الحماية والصون المعمول بها في جميع مشاريعنا على أعلى درجة ممكنة من الصرامة والفعالية.

في ظل هذه الظروف، يصبح من الضروري أن نتأكّد من أنّ تدابير الحماية والصون المعمول بها في جميع مشاريعنا على أعلى درجة ممكنة من الصرامة والفعالية. د. جافيد عبد المنعم، الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود

ونحن لا ننطلق في هذا العمل من نقطة الصفر، فسنوات من الجهود التي بذلتها الفرق في مختلف أنحاء أطباء بلا حدود عزّزت الطريقة التي نمنع بها حالات الإساءة ونكشفها ونستجيب لها. مع ذلك، ما حدث في شرق تشاد يُظهر أنّ ثمة فجوات كبيرة لا تزال قائمة، وأنّ علينا أن نحرز تقدمًا أسرع وأكثر جوهرية.

وبصفتي طبيبًا، أدرك أن تهيئة بيئات آمنة للمرضى والمجتمعات المحلية والزملاء أمرٌ أساسي لهويتنا كمنظمة طبية إنسانية، ولالتزامنا الطبي والأخلاقي بعدم إلحاق الضرر. وأنا أتحمّل هذه المسؤولية بجدّيةٍ بالغة.

يجب أن يكون كل مشروع ومكتب تابع لأطباء بلا حدود مكانًا يشعر فيه الجميع بالأمان والاحترام والحماية؛ مكانًا لا يُتسامح فيه مع أي شكل من أشكال الإساءة، ويُشجَّع فيه الجميع على الإبلاغ عن أي سلوك غير مقبول، ويحصلون على الدعم للقيام بذلك؛ ومكانًا تسهم فيه أصوات وتجارب الأشخاص الأكثر تضررًا في تحديد سبل منع الإساءة والاستجابة لها. تتطلّب مواصلة تعزيز هذا العمل الملحّ اهتمامًا ومساءلةً وتحركًا يوميًا من جانب كلّ زميلة وزميل في أطباء بلا حدود.