IRAQ – The “Behind the scenes” humanitarians / Muammar Al-Hiyali
العراق

إنسانيون خلف الكواليس في العراق

عندما سمع صهيب ماجد في عام 2017 عن منظمةٍ تستقبل طلبات التوظيف، توجّه فوراً إلى سوق حمام العليل علّه يستعيد جانباً من الحياة التي توقفت بالكامل في الموصل خلال الأعوام الثلاثة حتى ذلك الوقت.

لم يكن شديد التفاؤل في حصوله على وظيفة لم يدعمه أو يتوسّط له أحدٌ لتولّيها، كما أنّ سيرته الذاتية كانت شبه فارغة على حدّ قوله، لكن كان يكفيه شرف المحاولة.

يقول صهيب، "عندما تقدّمتُ للعمل مع منظّمة أطباء بلا حدود، كان حالي كحال أي شخص يحتاج وظيفة. لم أكن أعرف الكثير عنها، كما اعتقدتُ من اسمها أنّها توظّف الأطباء فقط". 

عراق - إنسانيون خلف الكواليس في العراق - صهيب ماجد
يعمل صهيب ماجد (32 عاماً) كمساعد منسق المشروع في مرفق الرعاية الشاملة التالية للجراحة الذي تديره منظمة أطباء بلا حدود في الجانب الأيسر من الموصل. يعمل صهيب اليوم في وظيفته الرابعة ضمن الكادر غير الطبيّ مع أطباء بلا حدود.
Christina Rizk/MSF

أكثر من أطباء

لكنه قرأ في إعلان الوظائف الشاغرة عن حاجة المنظّمة لمترجمين ولوجستيين وصيدلانيين، وكان منصب المترجم من نصيبه بعد اجتيازه الاختبار والمقابلة بنجاح.

أظهرت التظاهرات الأخيرة في العراق أنّه ليس من السهل على العراقيين لا سيما الشباب منهم أن يجدوا وظائف، وفي الموصل -كما في باقي أرجاء البلاد- أصبحت فرص العمل محدودة.

خلال العمليات العسكرية لاستعادة الموصل في عام 2017، دخلت عدة منظمات دولية إلى المدينة وبدأت عملها الإغاثيّ، فتوفرت بذلك أنواع جديدة من الوظائف أمام مئات الأشخاص في الموصل ومحيطها.

منظمة أطباء بلا حدود هي إحدى هذه المنظمات التي تستجيب للاحتياجات الإنسانية الكبيرة في المنطقة. إنّ اسم المنظمة يوحي بطبيعة عملها، إلا أنّه ولو كان بطابعه عملاً طبياً، لا يمكن أن يتمّ دون مجهود الكادر غير الطبيّ الذي يعمل "خلف الكواليس". في المنظّمة الطبية الإنسانية، يتّسم دور الموظفين غير الطبيين بالأهمية ذاتها في توفير الرعاية الطبية للسكان.

يعمل صهيب اليوم في وظيفته الرابعة ضمن الكادر غير الطبيّ مع أطباء بلا حدود، وتحديداً في مرفق الرعاية الشاملة التالية للجراحة في الجانب الأيسر من الموصل. يتولّى من خلال منصب مساعد منسّقة المشروع مهمة تمثيل المنظّمة لدى السلطات المحلية، ويساعده اطّلاعه على مختلف المستجدات في المنطقة وشغفه للكتابة في صياغة تقارير دورية تصبّ في ضمان استمرارية الأنشطة.

معمّر الحيالي، مسؤول السائقين في الجانب الأيسر من الموصل "أكثر ما يحفّزني ويجعلني أحبّ عملي هو فرح المرضى بتحسّن حالهم، فنحن نرافقهم في رحلتهم نحو التعافي وننسى التعب عندما نراهم يمشون من جديد".
IRAQ – The “Behind the scenes” humanitarians / Muammar Al-Hiyali

يستذكر معمّر الحيالي حادثاً أليماً في الموصل مضى عليه ثمانية أعوام، عندما وقع انفجارٌ قرب مطعم مزدحم أودى بحياة العشرات وأصيب على إثره عدد كبير من الناس، كان أخو زوجة معمّر واحداً منهم. إذ أصيب بثلاث شظايا في بطنه ونزف كثيراً، لكنه لحسن الحظّ أُسعف إلى المستشفى قبل فوات الأوان. كاد معمّر  أن يفقد شخصاً عزيزاً بين لحظةٍ وأخرى، ما عزّز دافعه لمساعدة الناس كي لا يفقدهم أحبتهم.

يتمنّى معمّر ذو الخمسة والأربعين عاماً لو أنه درس الطبّ كي يساهم في إنقاذ حياة الناس، لكنّ ظروفه لم تسمح بذلك، وهو يقول، "كان عليّ أن أجد مصدراً للرزق منذ سنّ المراهقة، فكنتُ أدرس وأعمل في الوقت نفسه ولم أقدر أن أصبح طبيباً كما تمنيت. لم تعطنا الحياة فرصة أن نأخذ ما نريده".

ومع دخول جماعة الدولة الإسلامية الموصل، اضطرّ معمّر إلى مغادرة المدينة مع زوجته وأطفاله الأربعة، لكنّ حياته لم تكن سهلة خارجها، فتوجّب عليه بناء حياة من الصفر بينما كان مشغول البال على أقاربه في الموصل.  وفي عام 2015، عمل في الفريق اللوجستيّ مع منظمة طبية في السليمانية لمدة عامين، لكنّ حبّه للموصل لم يخفت يوماً. "كان في أحد الأسواق رسمٌ جداريّ لطيور مهاجرة كُتب بجانبها عبارة: ‘سنرجع في يومٍ ما’. كلّما نظرتُ إليها زاد حنيني للموصل، إلى أن قررت العودة لمساعدة أهل مدينتي في أعقاب معارك استعادة السيطرة عليها".

يعمل معمّر اليوم كمسؤول السائقين في مرفق الرعاية الشاملة التالية للجراحة الذي تديره منظمة أطباء بلا حدود في الجانب الأيسر من الموصل. ينسّق تحركات سيارات المنظمة ومواعيدها، ويدير فريقاً من نحو 15 سائقٍ يعتبرهم أقرب لإخوةٍ أو أصدقاء، يمضي معهم كلّ صباح، قبل أن يذهب كلٌّ منهم إلى عمله.

يعتبر معمّر أن ثمرة عمله هو تحسّن المريض، لذا فينفّذ مهامه بخالصٍ من التفاني. يسعى إلى إخبار الناس حول الخدمات التي يقدمها مرفق المنظمة كي يستفيد منها مَن يحتاجها، كأحد معارفه الذي تعرّض لحادث سيرٍ وكانت رجله المصابة معرّضة للبتر، لكن أجرى له فريق أطباء بلا حدود العملية الجراحية اللازمة وتمكّن من إنقاذها. ويقول معمّر، "أكثر ما يحفّزني ويجعلني أحبّ عملي هو فرح المرضى بتحسّن حالهم، فنحن نرافقهم في رحلتهم نحو التعافي وننسى التعب عندما نراهم يمشون من جديد".

يملك معمّر مزرعة صغيرة في الموصل ورثها عن جدّه، يزورها يومياً للاهتمام بالأشجار والنباتات فيها، لكنّه لا يملك الوقت الكافي للتفرّغ لها. "أحلم أن أوسّع مزرعة جدي عبر زراعة الخضار والفاكهة وتربية الماشية، فتصبح مكاناً تجتمع فيه العائلة ويلعب فيه أولادي وأولاد إخوتي. ربما يتحقّق الحلم يوماً ما".

الموظفون محليًا هم المحرّك الأساسي لعمل المنظّمة

قد يُخيّل إلى الكثيرين أنّ عمل المنظمات الدولية في العراق أو المنطقة ينفذه موظفون أجانب فقط، ما يثير ريبة الناس حولها.

تشرح زميلة صهيب ياسمين محمد التي تعمل حارسة في المشروع أنّ تقبّل الناس للمنظّمات الإنسانية لم يكن كبيراً خلال بداية عملها في الموصل بعد معركة استعادة المدينة من سيطرة جماعة الدولة الإسلامية: "كان عمل العراقيين مع المنظّمات أمراً مستبعداً في بادئ الأمر، فالمجتمع لم يرحّب بفكرة تعاملنا مع الأجانب نظراً لما عاشه العراق على مدى أكثر من عقدٍ من الزمن. لكن سرعان ما تغيّرت نظرة الناس عندما وفّرت هذه المنظّمات خدمات اشتدّت الحاجة إليها، فلولاها لما بدأ حال الموصل يتحسّن".

ومع مرور الوقت لاحظ الأشخاص الذين ترددوا إلى مرافق المنظمة لتلقي الرعاية الصحية أنّ الموظفين العاملين فيها أمثال صهيب وياسمن هم بغالبيتهم عراقيون.

إذ يعمل مع منظّمة أطباء بلا حدود في العراق ما يزيد عن 1,700 موظف، أكثر من 90 بالمئة منهم عراقيون. وعلى اختلاف مهامهم، بين سائق وطبيبة ومسؤولة النظافة وتقنيّ الأجهزة الطبية وصيدلانيّ ومسؤولة الإمداد وغيرهم، فإن لهم دور مفصليّ في تسيير المشروع.

يجتهدون جميعاً لإتمام عملهم، وقد يبدو ذلك فعلاً بسيطاً بحدّ ذاته، لكنّه تماماً كرفرفة الفراشة لأجنحتها، يُحدث تأثيراً كبيراً على الصعيد الأوسع، فدونهم لا يمكن أن تتحقق أو تستمرّ أنشطة المنظّمة.

مساهمة ياسمين في المشروع تقتصر على تفتيش النساء من الموظفين والمرضى والزوّار قبل دخولهنّ إلى المرفق، بهدف ضمان سلامة الجميع. خلال قيامها بعملها تسألهنّ عن حالهنّ وترحّب بهنّ بحرارة. هي تحبّ عملها الذي يعطيها فرصة نشر البسمة بين أشخاصٍ لربما احتاجوا جرعةً من الإيجابية في ذلك اليوم.

فخر مساعدة المجتمعات المحلية

والحال نفسه خلف نهر دجلة في الجانب الأيمن من الموصل، حيث يتفانى أيضاً الموظفون العراقيون في تسيير أنشطة أطباء بلا حدود في مستشفى نابلس.

يولي عبدالله زرزور أهمية كبيرة لعمله كرئيس الطباخين في المشروع، وينفّذه على قدر عالٍ من الإخلاص والجِدّ. فيقول، "وظيفة الحارس أن يحمي المستشفى من أي أخطار خارجية محتملة، بينما عليّ حماية المرضى من المخاطر الداخلية. إطعام الناس مسؤولية كبيرة، لذا نحرص على الالتزام بأعلى معايير السلامة والنظافة في تحضير جميع الوجبات للمرضى ومقدمي الرعاية لهم".

عبدالله الذي واجه خسارات كبيرة في حياته يسعى دائماً للعطاء وإسعاد الآخرين. يردّ السؤال عن حاله بأبيات شعرٍ تنضح بثقافته وإقباله على الحياة بحلوها ومرّها.

أما زميلته نور الزهيري، مشرفة البيانات الطبية التي تعمل في مستشفى نابلس منذ حوالي عامين، فترى أنها أيضاً تساعد مجتمعها بطريقة غير مباشرة.

يفيدنا جمع البيانات الطبية في تحديد المشاكل الصحية التي يعاني منها الناس، فيمكننا بالتالي توفيق أنشطتنا بحسب حاجة الناس إليها. يشعرني ذلك أنّ دوري في إيصال معاناة الناس مهمّ جداً حتى ولو لست جزءاً من الكادر الطبيّ. نور الزهيري، مشرفة البيانات الطبية

 يعني لنور الكثير أن تكون قادرة على مساعدة الآخرين بطريقة أو بأخرى، ويسعدها أن تساهم في مساعدة مدينتها الموصل كما يفعل والداها اللذان يعملان في القطاع الصحيّ الحكوميّ.

لكلّ من الموصليين العاملين مع أطباء بلا حدود قصته مع العزم والصمود تعطي للحياة في المدينة بعداً آخر. صهيب وياسمين وعبدالله ونور هم أربعة من أصل العديد من الموظفين العراقيين غير الطبيين الذين يستحقون كلّ التقدير والامتنان، فهُم لا يتلقّون من الذِكر ما يفيهم حقهم وتعبهم في مساهمتهم في العمل الإنسانيّ، مع أن دورهم جوهريّ في توفير المساعدة للمجتمع الموصليّ.

وكما الكثير من العاملين الإنسانيين في العراق وخارجه، يجمعهم الإصرار على مساعدة أفراد مجتمعهم التي برأيهم يحققون جزءاً منها من خلال عملهم اليومي، كما أنهم جميعاً عازمون على المضي قدماً يحدوهم أملٌ بغدٍ أفضل.

المقال التالي
مرض الكورونا كوفيد-19
مقال رأي 1 أبريل/نيسان 2021