Katsikas MSF staff portrait
اليونان

توفير الرعاية الصحية النفسية لطالبي اللجوء العالقين في الجزر اليونانية

تعمل ميلاني كيرلوك، اختصاصية علم النفس السريري، في مشاريع الرعاية الصحية النفسية التي تنفذها منظمة أطباء بلا حدود لطالبي اللجوء في إيبرس، اليونان.

تعمل ميلاني كيرلوك، اختصاصية علم النفس السريري، في مشاريع الرعاية الصحية النفسية التي تنفذها منظمة أطباء بلا حدود لطالبي اللجوء في إيبرس، اليونان.

كيف تؤثر الحياة في مخيمات اللاجئين على نفسية طالبي اللجوء العالقين في اليونان؟ ما المطلوب لتوفير الرعاية النفسية المتخصصة للمجموعات المتنقلة؟ لماذا تكمن الأهمية القصوى في دعم الصحة النفسية للمجموعات التي فرّت هاربة من العنف الشديد والصدمات التي تشهدها داخل المخيمات؟

توفر منظمة أطباء بلا حدود في الوقت الراهن الرعاية الصحية النفسية لطالبي اللجوء العالقين في اليونان. كيف تُؤثر الحياة في إحدى مخيمات اللاجئين على نفسية الناس؟ وما هي العوامل التي قد تؤدي إلى تدهور صحتهم النفسية؟

عندما تعيش في مخيم ما تحت خيمة أو مبنى قديم حيث الأوضاع تكون سيئة، فأنت تبدأ في تحديد هويتك وفقاً لهذه الأوضاع الجديدة. "أنا لاجئ فقير وأعيش في خيمة، وألبس ثياباً مستعملة حصلت عليها من إحدى الجمعيات الخيرية، وأتناول طعاماً أعده آخرون، وفقدت هويتي السابقة، والآن أنا مجرد لاجئ. لا أستطيع فعل أي شيء سوى الانتظار". وضع كهذا، لا يمكن تحمله سوى لفترة قصيرة. ولكن إذا قضيت أشهراً تعيش في مثل هذه الحالة، فأنت تبدأ في تحديد هويتك وفقاً لهذه الأوضاع. وينمو لديك شعور بأنك عديم القيمة وتبدأ في الانطواء على ذاتك.

قد تكون المخيمات مفتوحة الآن، ولكن في الواقع يعاني سكانها من العزلة. فعندما لا يكون لديك مال ولا تتحدث لغة المكان، فإنك تشعر بالخوف من الطريقة التي ينظر بها الآخرون لك، وينتهي بك الأمر إلى الامتناع عن الخروج من المخيم. وهكذا، يتكون الغيتو (أحياء الأقليات). علاوةً على ذلك، يفتقر سكان المخيم إلى التنظيم الاجتماعي أو أي هيكل اجتماعي أو قواعد. لذا، يفترض أن يقوم سكان المخيم بتنظيم أنفسهم، لكن هذا يستغرق وقتاً طويلا. وعلى الرغم من كل ما يحدث، من يضمن سيادة الأمن والنظام في المخيم؟ وإلى من يمكن أن يتوجه سكان المخيم في حالة نشوب أي نزاع أو خلاف؟

بالإضافة إلى ذلك، يعاني الناس من حالة تعب شديدة. تخيل أنك تعيش منذ أشهر في مخيم في درجة حرارة تصل إلى 35 أو 40، في حر شديد دون أشجار لتوفير الظل، أو تخيل أنك تقيم في خيمة رطبة، مليئة بوابل من بقية الأمطار الغزيرة لعدة أيام. ونحن نتحدث عن أسر بأكملها، ما بين مسنين وحديثي الولادة ومرضى. فالمعيشة في ظل مثل هذه الظروف تعد مرهقة للغاية، مما يستتبع الكثير من المشكلات الجسدية والنفسية. فعادة ما يظن الناس أن الأوضاع أفضل بكثير في المباني السكنية، ولكن عندما تكتظ بالناس، تصبح الضوضاء مشكلة كبرى. فهذه المباني لم تصمم لإيواء عدد كبير من الأشخاص. وبالتالي فإن جميع هذه العوامل يمكن أن تؤدي إلى تدهور التوازن النفسي للاجئين.

لكن تتمثل المشكلة الأسوأ التي تواجه اللاجئين العالقين في اليونان في القيود المكانية والزمانية. فمن وجهة نظر نفسية، إنهم عالقون في منطقة معزولة. ولا يمكنهم بدء حياة جديدة، بل يجب أن ينتظروا ويترقبوا ما سوف يحدث لهم. فهم لا يعرفون كم ستطول مدة بقائهم هنا أو مدة انتظارهم. وربما يمكن إعادتهم إلى أوطانهم. وقد لا يكون أمامهم خيار أخر سوى البقاء في اليونان أو ربما الترحيل إلى بلد آخر. إن عدم المعرفة بالمستقبل يعد أمراً مروعاً. إنه مدمر حقاً.

ما المطلوب عملياً لتوفير رعاية نفسية متخصصة للمجموعات المتنقلة؟ وهل يمكنك توضيح النهج الذي تتبعه منظمة أطباء بلا حدود؟

اتخذت أغلبية الأشخاص قرار الفرار من بلادهم وترك كل شيء. بل أنهم تركوا أفراد أسرهم، في بعض الحالات. إن هذا القرار لم يكن سهلاً، وخصوصاً على الأب أو الأم. لقد قابلت أباءً اتخذوا قرار عبور البحر لإنقاذ أطفالهم، ولكنهم في الوقت نفسه، عرضوا حياة أطفالهم للخطر. وفي كثير من الأحيان، يشعر الكثيرون بالذنب لأنهم عرضوا أطفالهم لاحتمالية الوفاة أو لأنهم يعتقدون أنهم اتخذوا القرار الخاطئ، بعد أن أصبحت أسرهم عالقة الآن في اليونان دون مستقبل. يمكن أن يكون ذلك هو موضوع جلسات العلاج النفسي التي نعدها، فاللاجئون بحاجة إلى وصف شعورهم حتى يتمكنوا من العيش دون الشعور بالذنب.

عندما نلتقي بالأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا من الرعاية التي نقدمها، نحاول تحديد الصعوبات التي يواجهونها وكيفية تأثيرها على حياتهم. تتمثل الخطوة الأولى في منح اللاجئين فرصة التعبير عن معاناتهم. والخطوة الثانية هي تحديد السبب لهذه المعاناة. وأخيراً، الخطوة الثالثة وهي تحديد كيفية مشاركتهم في إحداث معاناتهم الشخصية، وكيف يمكنهم لعب دوراً إيجابياً في حياتهم الخاصة والتعافي من معانتهم.

لا يتحدث الأطباء والأخصائيون النفسيون الذين يقدمون الرعاية في مخيمات اللاجئين دائماً لغة اللاجئين. فهل من الصعب الاستعانة بالمترجمين؟

إن العمل مع المترجمين لا يكون هو العائق دائماً. بل في أغلب الأوقات يكون أداة مفيدة للغاية.

خلال عملية العلاج ينبغي أن نوضح للأشخاص الجاري علاجهم أنه حتى إذا كانوا يفتقرون إلى المهارات اللغوية، فيمكنك التغلب على هذا العائق عن طريق طلب المساعدة من شخص آخر، ويمكنك تحقيق هدفك بفضل هذا التعاون.

وهناك أيضاً قيمة مضافة أخرى. فعادةً ما يصيب الأشخاص غير المعتادين على العلاج النفسي بعض القلق عندما يواجهون لحظات من الصمت، حيث يشعرون بالإحراج. وعند الاستعانة بمترجم، يكون لدى المريض وقت للتفكير فيما قاله أو ما قيل له. وفى الوقت نفسه، يتمكن الأخصائي من مراقبة ردود فعل المريض ومشاهدة لغة جسده. وبالتالي، فإن وجود مترجم يمكن أن يدعم هذه العملية برمتها.

ما مدى سهولة تخلص اللاجئين من ماضيهم المروع، والانخراط من جديد في الحياة الطبيعية؟

أعتقد أن بإمكان البشر القيام بأشياء لا تصدق. فقد يمرون بالفعل بأوضاعٍ مروعة، ولكن بإمكانهم التعافي مرة أخرى، وبإمكانهم خوض حياة طبيعية مرة أخرى. فهم لا يحتاجون إلا لمكان حتى يعيدون بناء حياتهم، وأغلبهم قادر على التغلب على مشاكله بطريقته الخاصة، والقليل منهم سيكون بحاجة إلى دعم خاص، ربما مكان حيث يمكن التعرف على معاناتهم النفسية، وكيف يمكن مساعدتهم في تجميع ما حدث لهم في الماضي. أما إذا تركناهم دون رعاية، فسوف يعيشون حياة دمرتها أسباب معاناتهم السابقة. ولا يمكننا السماح لهذا العنف بمواصلة تلويث عقولهم. لا بد من توفير الرعاية للاجئين.

في بداية مهمتي في اليونان، قابلت امرأة يزيدية من السينجار/السيجال في العراق.[1] وعندما بدأت حديثها كانت تحدق إلى الأسفل. وأخبرتني أنه قبل أسبوعين قامت بمحاولة الانتحار لأنها لم تعد تأمل في وجود مخرج لما هي فيه. لمدة عامين لم تتوقف عن تذكر أحداث سابقة من الإبادة الجماعية التي شهدتها أمام مرأى عينيها. ولم تستطع "حذف" هذه الصور من مخيلتها. ولم تكن تعرف كيف يمكنها أن تعيش بمفردها، ولم تعد قادرة على رعاية أطفالها أو المشاركة في أي حوار. وقد شعرت بأنها وحيدة تماماً في العالم. أخبرتني هذه المرأة أنها شعرت كأنها وحيدة في بحر من الحزن.

تم تشخيص حالتها بأنها كانت تعاني من الأرق، فهي لم تنم ليلة كاملة منذ عامين. وكانت دائماً ما تحدق إلى الأرض خلال أولى جلسات العلاج. أما الآن فقد بدأت تنظر إلي. أخبرتها بأنه من الممكن عيش حياة أخرى، وأنه لا أحد محكومٌ عليه بأن يعيش كل هذه المعاناة. نظرت إلي وسألتني: "هل تؤمنين بأن ذلك ممكناً؟". أخبرتها بأنني لا أستطيع أن أضمن شيئاً من ذلك، ولكنني أعلم أنها لا يجب أن تعيش وهذه الصور في رأسها.

هذا النوع من الاضطرابات النفسية هو نوع قديم من الاضطرابات النفسية التالية للصدمات. فإن الاضطرابات النفسية التالية للصدمات والاكتئاب واضطرابات القلق هي الأعراض الرئيسية التي نراها في المخيم، وتتطلب الرعاية المتخصصة.

ولحسن الحظ، تحسنت أوضاع هذه المرأة كثيراً وأصبحت قادرة على أن تتعامل مع تجربتها. يثبت لي مثل هؤلاء المرضى مدى أهمية دور المنظمة في مخيمات اللاجئين.