إيطاليا

مقابلة مع الطبيبة النفسية أوريلي باربييري لدى منظّمة أطبّاء بلا حدود في كاتانيا في صقلية

ما الظروف التي تحيط بالناس لدى وصولهم إلى هنا بعد اختبارهم حادثة غرق قارب؟

"يكونون محطمين. اختبروا رحلة طويلة وخطيرة انطلاقاً من بلدانهم الأصلية، وتأثروا جرّاء الوقت الذي أمضوه في ليبيا حيث تم معاملة الكثير منهم بوحشية لا يمكن تصوّرها. وفوق ذلك كله، في حال اختبروا حادثة غرق قارب، وربما خسارة أحد أفراد عائلتهم، تكون المعاناة عندئذٍ أشدّ بعد. يصل إلى هنا أولاد بمفردهم لأنّهم خسروا أهلهم في حادثة الغرق، ونصادف أهالي خسروا أبناءهم أيضاً".

بعد أن يصل الناجون بأمان، ما هي أكثر الأشياء التي يكونون بأمس الحاجة إليها؟

"الشيء الأكثر أهمية هو توفير الأمان والاستقبال الإنساني. نبدأ بالأمور الأساسية: نقدّم الماء، والطعام، ونريهم مواقع دورات المياه. هم بحاجة للشعور بأنّ أحداً ما يعتني بهم. وبصفتنا أطبّاء نفسيّين ووسطاء ثقافيين، نؤدّي دور الجسر بين الناجين والفرق الطبية. يجدر بنا بعث شعور لدى الناجين بأنّهم مرحب بهم، وأن نقدّم إليهم كوب من الشاي، مع ابتسامة، وأن يجدوا من يعتني بهم ويصغي إليهم. عندما يصلون، تكون الأجواء محمومة وتسارع السلطات إلى اتخاذ الإجراءات الرسمية المناسبة. ومساهماتنا محدودة، وليس لها تأثير على المدى الطويل، ولكن من شأنها أن تحدث فارقاً كبيراً بالنسبة إليهم. هي تتمحور حول جعلهم يشعرون أنّهم مقربون من أفراد غيرهم من البشر".

ما هي طلبات الناجين من حوادث الغرق؟

"يطلبون في أغلب الأحيان الاتصال بمنازلهم، وإخبار عائلاتهم بأنّهم على قيد الحياة. فبعد حادثة غرق قارب، لا يكونون جميعهم جاهزين مباشرةً لتقبّل فكرة فقدان أحد في البحر. يسألون عادةً عن أخبار حيال الشخص المفقود. ويسألوننا قائلين: "هل توفي ابني؟". ويضطرون في ما بعد إلى مواجهة واحدة من أصعب اللحظات في حياتهم: التعرّف إلى الجثث التي غرقت".

ما هي قصص الناجين التي تركت انطباعاً كبيراً لديك؟

"تواجدت هنا امرأة إيريترية في أواخر الثلاثينات وكانت حامل في الشهر السابع، وكانت سبق وفقدت ولداً في السابعة أو الثامنة من العمر. بعد حادثة الغرق، بقيت المرأة في الماء مدة أربع أو خمس ساعات. واتصلت أمامي بوالدتها، ولكنّها لم تتمكّن من البوح بكلمة حول المأساة. جلّ ما قالته هو أنّها بأمان وبأنّها وصلت إلى إيطاليا. وكانت قد مضت فترة طويلة منذ المرة الأخيرة التي تكلّمت بها مع والدتها؛ وأرادت فقط أن تسمع صوتها؛ حتى الصمت والسهو يحتسبان في هذه الظروف.

نلجأ في أغلب الأحيان إلى الخرائط أو الرسومات عندما نتحدّث إلى الناجين. أرسم جزمة لأمثّل إيطاليا، وقالت لي المرأة آنذاك وهي تبتسم: "درست هذا في المدرسة!". قبل أن تغادر موطنها، تفحصت خريطة لتجد المسار الأقصر لعبور البحر. وستحمل عبئاً ثقيلاً جداً معها لبقية حياتها، فهي خسرت ابنها رغم الجهود كافة المبذولة لإنجاح هذه الرحلة".

ماذا ينتقل أيضاً عبر خطوط الهاتف بين أوروبا وأفريقيا؟

منذ بضعة أيام، التقيت برجل سوداني غادر بلده برفقة زوجته الحامل. وكان يشعر باليأس لوصوله إلى إيطاليا بمفرده. كان يحاول تجفيف بعض الصور التي أخذها معه في رحلته. اتّصل بمنزله وسمعته يقول "إن شاء الله"، بينما كان يُحدّث شقيقة زوجته. كان زوجته قد اتصلت بها لتخبرها بأنها وصلت إلى إيطاليا. لقد نجت. ووجد صعوبة في تصديق ذلك: لقد عانى لساعات جراء مأساة خسارتها المحتملة. وعند نهاية المكالمة، انفجر بالبكاء من شدّة السعادة، وبكينا نحن بدورنا! أخبرني ناجون آخرون أنّه ساعد الكثير من الناس في البحر. وكوفئت مساعداته بطريقة أو بأخرى. تقدّم قصصٌ كهذه إلى الناجين، وإلينا أيضاً، القوة للاستمرار. هي قوة الأمل".

هل من الممكن الحصول على أرقام دقيقة حيال عدد الأفراد الذين غرقوا في حوادث تحطّم القوارب؟

"من الصعب جداً الحصول على أرقام دقيقة. فالمعلومات أجمع المتوفرة مستمدة من الناجين. وتقوم إحدى مهماتنا على جعل الناس يفهمون أهمية إخبارنا بخسارتهم لأحد أم لا، وتقديم التفاصيل كافة، ولكنّهم يكونون في حالة ارتباك شديد عادةً. يمكننا تقديم الأرقام، ولكنّها مجرّد تقديرات، وليست مؤكّدة. غير أنّه، بعد أن نلتقي بهم واحداً تلو الآخر، ويخبروننا عن خسارتهم لشقيقة أو قريب، أو بعد أن تخبرنا مجموعة من الأصدقاء أن 19 منهم انطلقوا في الرحلة ولم يصل سوى 9، يعكس ذلك حجم المأساة".

ما أكثر ما يثير قلقك؟

"أخشى أن نخسر حسّ الإنسانية ومدى خطورة الوضع وجديته. أخشى أن يعتاد الناس الذين يشاهدون الحوادث عن بُعد على وقوع هذه الأخيرة، فيصبح الوضع أشبه بمشاهدتهم لفيلم ما. يبرز خطر تحوّل هذه المآسي إلى أمر عادي. ولكنّ الحقيقة أن كل حادثة تحطّم قارب هي مأساة فظيعة بحدّ ذاتها. سواء وصل عدد الضحايا إلى المئات، أو العشرات، أو واحد فقط، يبقى هؤلاء الضحايا أشخاصاً أجبروا على عبور البحر لأنّه ما عادت تتوفر أمامهم بدائل آمنة. لا يمكنني تقبّل فكرة موت الأطفال والراشدين بهذه الطريقة. لا يسعني ذلك بتاتاً".

المقال التالي
بيان صحفي 30 ديسمبر/كانون الاول 2015