Skip to main content
View of a street in Cité Soleil, a neighborhood controlled by armed groups.
تصوير لشارع في حي سيتي سولاي الذي تسيطر عليه الجماعات المُسلَّحة. بورت أو برانس، هايتي، في يوليو/تموز 2026.
© Vicky Onélien

الناس يخاطرون بحياتهم للحصول على الرعاية الطبية في سيتي سولاي

تصوير لشارع في حي سيتي سولاي الذي تسيطر عليه الجماعات المُسلَّحة. بورت أو برانس، هايتي، في يوليو/تموز 2026.
© Vicky Onélien

ملخَّص:

  • في سيتي سولاي، أحد أفقر المناطق في عاصمة هايتي، تتسبب عوامل الفقر الشديد والوصمة وانعدام الظروف الآمنة بعواقب بالغة على صحة السكان.
  • غالبًا ما يجد الأشخاص أنفسهم أمام معضلة مستحيلة: إما أن يذهبوا لطلب العلاج ويتحمّلوا جميع المخاطر، أو أن يتخلّوا عن الرعاية ويتركوا حالتهم تزداد سوءًا.
  • يعاني المصابون بأمراض مزمنة صعوبات جمة للوصول إلى الرعاية بفعل أعمال العنف وصعوبة التنقل وكلفة الخدمات.

في بورت أو برانس، عاصمة هايتي، تخوض الجماعات المسلحة قتالًا مستمرًا مع الحكومة ومؤيديها من أجل السيطرة على الأراضي. تُعيق دورة العنف هذه حركة السكان في المدينة بشكل مطرد. أما المستشفيات القليلة التي لا تزال تعمل، فتضطر أحيانًا إلى تعليق أنشطتها لأسباب أمنية، ما يحدّ بصورة إضافية من قدرة الناس على الوصول إلى الرعاية، ولا سيما الفئات الأكثر حاجة منهم.

ويبقى الوضع حرجًا بشكل خاص في منطقة سيتي سولاي، التي تنقسم إلى 34 حيًا تسيطر عليها الجماعات المسلحة. فالحواجز ونقاط التفتيش تغلِق الطرق داخل البلدية بانتظام، والخطر موجود على الدوام، إذ يبقى السكان عرضة للتوقيف أو الاعتقال أو الاعتداء أو حتى القتل.

اقرأوا المزيد:

وعندما يحتاج سكان هذه الأحياء إلى الرعاية الطبية، يجدون أنفسهم مرارًا أمام معضلة مستحيلة: إما أن يذهبوا لطلب العلاج ويتحمّلوا جميع المخاطر، أو أن يتخلّوا عن الرعاية ويتركوا حالتهم تزداد سوءًا إلى مرحلة قد يصبح فيها العلاج غير ممكن.

A fictional portrait of Ronaldo, a young man suffering from asthma in Port-au-Prince.
تصوير لرونالدو، وهو شاب يعاني من الربو في بورت أو برانس. هايتي، في يوليو/تموز 2026.
Vicky Onélien

ومثل كثير من المرضى، لا يستطيع رونالدو الوصول إلى مستشفى أطباء بلا حدود في سيتي سولاي عندما تتقاتل الجماعات المسلحة في الجوار.

وفي هذا السياق، يشرح رونالدو، "عندما يتدهور الوضع الأمني ويبدأ إطلاق نار، لا يمكنني الخروج، خصوصًا عندما أُصاب بنوبات الربو. في تلك اللحظات، تصب عائلتي الماء البارد على جسدي لمحاولة التخفيف عني".

An intersection in Port-au-Prince following clashes between armed groups.
تصوير لتقاطع طرق في عاقبة نزاع بين جماعات مسلَّحة في بورت أو برانس. هايتي، في يوليو/تموز 2026.
Vicky Onélien

استحالة تقديم الرعاية الصحية وسط إطلاق النار

في أوائل مايو/أيار 2026، اندلعت اشتباكات عنيفة بين عدة جماعات مسلحة متنافسة في منطقتي سيتي سولاي وكروا دي بوكيه.

ويقول رئيس بعثة أطباء بلا حدود، توماس كوربيون، "وقعت الاشتباكات على بُعد أقل من 200 متر من محيط المرفق الطبي. خلال أقل من 12 ساعة، عالجت فرقنا أكثر من  40 مصابًا بجروح ناجمة عن طلقات نارية، كما أُصيب حارس برصاصة طائشة داخل مجمع المستشفى".

وكان قد اتّخذ مئات الأشخاص من المرفق ملجأ لهم، بينهم موظفون وأسرهم ومدنيون من الحي. وأمام هذا التصعيد الحاد في العنف، اضطرت أطباء بلا حدود إلى إجلاء المرضى والموظفين في 11 مايو/أيار 2026 وتعليق أنشطتها مؤقتًا.

View of the entrance to the MSF hospital in Cité Soleil, Port-au-Prince. Faced with an extreme spike in violence, MSF was forced to evacuate patients and staff on 11 May 2026 and temporarily suspend its activities. The hospital remained closed for three weeks, until 1 June.
تصوير لمدخل مستشفى أطباء بلا حدود في سيتي سولاي، بورت أو برانس. هايتي، في يوليو/تموز 2026.
Vicky Onélien

ظل المستشفى مغلقًا لمدة ثلاثة أسابيع، حتى 1 يونيو/حزيران. وكانت هذه هي المرة الثالثة خلال ثلاث سنوات التي تضطر فيها فرق أطباء بلا حدود إلى اتخاذ القرار الصعب بتعليق أنشطتها الطبية في سيتي سولاي.

ويلاحظ كوربيون، "في الظروف العادية، يستقبل قسم العيادات الخارجية نحو 150 مريضًا يوميًا، وغالبًا ما تتجاوز نسبة إشغال الأسرّة 80 في المئة. وهذا يعطي فكرة عن حجم العواقب التي يتحمّلها السكان عندما تتوقف أنشطتنا لعدة أسابيع".

وحتى عندما يكون المستشفى مفتوحًا، يمكن للاشتباكات العنيفة التي تحدث في سيتي سولاي أن تحول دون وصول المرضى إليه.

وفي هذا الصدد، توضح رئيسة عمليات أطباء بلا حدود في هايتي، سارة شاتو، "يمكن أن يؤدي القتال إلى إطلاق كثيف لنيران الأسلحة الآلية عبر شوارع أو أحياء كاملة في محيط مستشفانا. لا يأتي المرضى عندما يحدث ذلك، فهم يبذلون كل ما في وسعهم لتجنب الوقوع وسط النيران المتقاطعة. حينها يصبح المستشفى مهجورًا تقريبًا، ويفقد مرضانا الذين يعانون من أمراض مزمنة إمكانية الحصول على الرعاية، باستثناء من أُدخلوا إلى المستشفى قبل بدء النيران".

ويمكن أن تؤدي الاشتباكات المسلحة أيضًا إلى حرمان النساء من الرعاية الصحية للأمهات وحديثي الولادة. ففي يونيو/حزيران 2026، أجبرت موجة جديدة من العنف فرق أطباء بلا حدود على تعليق أنشطتها الطبية لعدة أسابيع في سيتي سولاي وفي محيط مستشفى إيزاي جانتي للولادة الذي ندعمه.

نظام الرعاية الصحية وصل إلى نقطة الانهيار

عندما يختار المريض تحمّل المخاطر والخروج طلبًا للرعاية، ليس هناك ما يضمن أنه سيجد مرفقًا صحيًا قادرًا على علاجه في نهاية الأمر. فقد انهارت القدرة على تقديم الرعاية في جميع أنحاء البلاد، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، تقتصر نسبة المرافق الطبية التي لا تزال تعمل بكامل طاقتها على 26 في المئة فقط. فقد أغلقت المرافق المتبقية أبوابها أو تعرّضت للنهب، أو باتت تعمل بقدرة محدودة بسبب نقص الموظفين والمعدات أو انعدام الظروف الآمنة.

وفي هذا السياق، تتحدث روزمي* بحسرة عن الوضع في سيتي سولاي. وتقول، "دُمّرت المستشفيات الصغيرة في الحي الذي أعيش فيه، ونُهب كل ما فيها".

في سن السادسة والسبعين، مكثت روزمي في مستشفى أطباء بلا حدود في سيتي سولاي لعدة أيام، فقد اكتشفت مؤخرًا أنها مصابة بالسكري، بعد تدهور حالتها. قبل ذلك، لم تكن تعرف شيئًا عن المرض، ولم تسمع سوى أنه "يقتل الناس، ويتسبب لهم بجروح، ويمكن أن يؤدي حتى إلى البتر".

وعندما جاءت للحصول على استشارة في مستشفى أطباء بلا حدود، كانت قد فقدت قدرتها على المشي، فقد أضعفها المرض وأنقص كثيرًا من وزنها.

View of a consultation at a Doctors Without Borders facility in Port-au-Prince, Haiti.
تصوير لاستشارة طبية في مرفق صحي تابع لأطباء بلا حدود في بورت أو برانس. هايتي، في يوليو/تموز 2026.
Vicky Onélien

وفي هذا السياق، توضح شاتو، "ميزانية وزارة الصحة محدودة للغاية. كما أنّ الأزمة الإنسانية في هايتي تعاني منذ سنوات من نقص التمويل الدولي. في هذه الظروف، لا يملك المصابون بأمراض مزمنة سوى فرص محدودة لمواصلة علاجهم، وقد تتعرّض حياتهم للخطر في حال أُصيبوا بنوبة حادة".

أما في المرافق الأخرى، تبقى خيارات نقل الحالات الحرجة إلى مستشفى أطباء بلا حدود في سيتي سولاي ضيّقة جدًا، بل وتنعدم في بعض الأحيان. وبدلًا من ذلك، يُرسَل المصابون بجروح ناجمة عن طلقات نارية إلى تاباري، حيث تدير أطباء بلا حدود مستشفى متخصصًا بالإصابات البليغة.

وفي هذا السياق، يقول المرجع الطبي في مستشفى أطباء بلا حدود في سيتي سولاي، الدكتور جيروم فريتش، "لدينا أيضًا حلول لبعض العمليات الجراحية المنقذة للحياة، كما هو الحال في حالات التهاب الصفاق مثلًا، إذ يمكننا نقل المرضى إلى مستشفى سانت كاميل، حيث يتولى الجراحون علاجهم. وتغطي منظمة أطباء بلا حدود تكاليف الاستشفاء كاملة".

الأمراض المزمنة: السبب الرئيسي للوفاة في هايتي

تشرح ماريز*، وهي امرأة مصابة بداء السكري وارتفاع ضغط الدم، "عندما كان مستشفى أطباء بلا حدود مغلقًا، لم يكن لدي أي مكان أذهب إليه. لا أستطيع تحمّل تكاليف الذهاب إلى مستشفى خاص، أو حتى شراء دوائي".

A fictional portrait of Maryse, an elderly woman with diabetes in Port-au-Prince.
تصوير لماريز، وهي امرأة مصابة بداء السكري في بورت أو برانس. هايتي، في يوليو/تموز 2026.
Vicky Onélien

تتّسم الأمراض المزمنة بعدة صفات تميزها عن باقي الأمراض، من بينها أنها ترافق المرضى طوال حياتهم وتتطلب مراقبة وأدوية منتظمة.

ويقول الدكتور فريتش، "يمكن أن يكون الحصول على الرعاية بالغ الصعوبة في هايتي. فحالات مثل السكري أو ارتفاع ضغط الدم أو الربو أو الصرع غالبًا ما تتطلّب أدوية باهظة الثمن قد لا تتوفّر أحيانًا في الصيدليات بسبب مشاكل الإمداد".

في قسم الطوارئ بمستشفى أطباء بلا حدود في سيتي سولاي، تعاين الفرق الطبية نحو 30 مريضًا يوميًا، من بينهم مرضى يصلون وهم في أزمة حادة مرتبطة بمرض مزمن، وقد شكّل هؤلاء نحو 10 في المئة من المرضى في يونيو/حزيران 2026.

تختلف الصورة السريرية من مريض إلى آخر بحسب المرض الذي يعاني منه، ولكن جميعهم يصلون في حالات شديدة تتطلب علاجًا سريعًا.

وفي هذا السياق، يضيف الدكتور فريتش، "في حالات ارتفاع ضغط الدم، نستقبل مرضى لم يعودوا قادرين على التنفس بشكل صحيح، وقد نحتاج إلى تزويدهم بالأكسجين وعلاج الوذمة. ويمكن لمرضى السكري الذين تكون مستويات السكر في دمهم مرتفعة جدًا أن يُصابوا بالحُماض الكيتوني السكري، وهو السبب الرئيسي لحالات الوفاة الناجمة عن مرض السكري".

وبعد أن تستقر حالة المرضى عقب فترة من الاستشفاء، يحصلون على الأدوية اللازمة، أو على الإنسولين في حالة مرضى السكري، قبل عودتهم إلى منازلهم.

ويقول الدكتور فريتش، "عندما يخرج مرضى السكري من المستشفى، يجب عليهم أن يستمروا في تناول الأنسولين في المنزل، وأن يراقبوا مستوى السكر في الدم والمضاعفات المرتبطة بمرض السكري، وأن يحرصوا على اتباع نظام غذائي متوازن، وهذا بالغ الصعوبة لهذه الفئة من المرضى".

ورغم أن الأمراض المزمنة تُعدّ السبب الرئيسي للوفاة في هايتي، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن فرق أطباء بلا حدود في مستشفى سيتي سولاي تسجّل عددًا قليلًا نسبيًا من الوفيات المرتبطة بهذه الأمراض.

ويقول الدكتور فريتش، "تحدث معظم الوفيات خارج المرافق الصحية، لأن المرضى لا يستطيعون السفر بسبب العنف أو تكلفة النقل، أو لأنهم يكونون في حالة وهن شديد ويعانون من نوبة حادة".

منذ مارس/آذار 2026، أتاحت شراكة مع المؤسسة الهايتية للسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية تقديم متابعة طبية لمدة عام لبعض مرضى ارتفاع ضغط الدم أو مرضى السكري، وهو المجال الذي تتخصص به المؤسسة.

ويوضّح الدكتور فريتش في هذا السياق، "للاستفادة من هذا البرنامج، يجب أن يكون المرضى قد أُدخلوا أولًا إلى قسم الطوارئ التابع لأطباء بلا حدود بسبب نوبة مرتبطة بأحد هذين المرضين. نأمل أن تساعد هذه الرعاية في كسر الحلقة المفرغة التي يجد هؤلاء المرضى أنفسهم مُحاصَرين فيها، بين رعاية الطوارئ، واستقرار الحالة، والاستشفاء، والعودة إلى المنزل، وصعوبة الوصول إلى العلاج، ثم العودة مجددًا إلى غرفة الطوارئ".

ومع ذلك، تتطلب المضاعفات المرتبطة بالأمراض المزمنة رعاية متخصصة غير متوفرة في بعض الأحيان في العاصمة الهايتية.

وبحسب د. فريتش، "بدون متابعة، يمكن أن يعاني الشخص المُصاب بارتفاع ضغط الدم من سكتة دماغية، وهي حالة تكاد لا تتوفّر لها أي حلول في بورت أو برانس".

تكلفة المعيشة والوصمة: عقبات أخرى أمام الحصول على الرعاية

أدى الارتفاع الأخير في أسعار الوقود إلى ارتفاع تكلفة الغذاء والنقل، مما زاد من ترسيخ دورة الفقر للفئات الأكثر حاجة.

ويوضح نائب منسق مشروع أطباء بلا حدود في سيتي سولاي، فرانسوا باتيستين، "رعايتنا مجانية، ولكن هناك أشخاصًا يعني لهم مجرد الاضطرار إلى ركوب دراجة نارية للوصول إلى هنا، بكلفة تقارب 100 غورد، أي نحو 70 سنتًا أمريكيًا، أنهم لا يستطيعون تحمّل كلفة النقل، وبالتالي لا يستطيعون الوصول إلى مستشفانا".

A person on the back of a motorcycle taxi in the streets of Port-au-Prince.
تصوير لامرأة تركب على دراجة نارية للأجرة في شوارع بورت أو برانس. هايتي، في يوليو/تموز 2026.
Vicky Onélien

ويواجه سكان سيتي سولاي أيضًا وصمًا شديدًا لمجرد المكان الذي يعيشون فيه.

وفي هذا الصدد، يتابع باتيستين، "يخشى أهل سيتي سولاي الذهاب إلى أحياء أخرى، مثل ديلماس أو بيتيون فيل، على سبيل المثال. فقد يُعتقد خطأ أنهم أعضاء في جماعات مسلحة، أو تشتبه الشرطة الهايتية في ارتباطهم بها. تُعَد سيتي سولاي البلدية الأكثر اكتظاظًا في منطقة بورت أو برانس الكبرى، ومع ذلك فهي منطقة متروكة تمامًا من قبل الدولة، وتعاني من سمعة سيئة بسبب السيطرة التي تفرضها الجماعات المسلحة عليها".

تواجه هايتي منذ عدة سنوات أزمة عميقة ومتعددة الأبعاد. وفي سيتي سولاي، حيث يعيش نحو 300,000 شخص، بقيت الاحتياجات الطبية هائلة وسط محدودية القدرة على وصول إلى الخدمات الأساسية والرعاية الصحية.

ويضيف باتيستين، "يواجه سكان سيتي سولاي صعوبة في المغادرة للحصول على العلاج في مكان آخر، في حين يخاطر أشخاص بالدخول إلى سيتي سولاي لمراجعة أطباء بلا حدود لأن الدواء جيد النوعية والرعاية مجانية".

تواصل فرق أطباء بلا حدود تكييف استجابتها مع أزمة دائمة التطور بعد 15 عامًا من العمل في سيتي سولاي. لكنها لا تستطيع وحدها  التعويض عن الانهيار المستمر في الوصول إلى الرعاية الصحية. وطالما يضطر السكان إلى المخاطرة بحياتهم لمراجعة طبيب أو مواصلة العلاج، سيظل ضمان الوصول إلى الرعاية الصحية عالية الجودة حالة إنسانية بالغة وطارئة في بورت أو برانس.

*تم تغيير أسماء المرضى لحماية هويتهم.