Condemned to drown at sea or be locked up in Libya
ليبيا

في مراكز الاحتجاز ظروف تفتقر للإنسانية وأوجه تخلو من المشاعر

يوجد في أنحاء مختلفة من ليبيا نحو 6,000 لاجئ ومهاجر في مراكز احتجاز رسمية تديرها وزارة الداخلية الليبية. الكثير من ‏هؤلاء الناس قد فروا من أوطانهم البعيدة بحثاً عن مستقبل أكثر أماناً، غير أنهم واجهوا الابتزاز والتعذيب والعنف الجنسي ‏والاستغلال والعمالة القسرية في ظل أخطار جديدة كانت تنتظرهم في ليبيا وخلال رحلتهم. هؤلاء الناس الذين لم يرتكبوا أي ‏جرم، باتوا اليوم محتجزين في ظروف عادةً ما تكون أدنى بكثير من المعايير الدولية وتلحق بهم الأذى جسدياً ونفسياً.‏

تحت السماء الكئيبة التي تظلل منطقة جنزور التابعة لطرابلس، تخرج امرأة إلى شرفة منزلها في الدور الخامس وتعلق بعناية غسيلها ‏الملون كي تجففه نسمات الصباح. لكن في تحجب رؤيتها للجهة المقابلة من الشارع أسوار من الأسلاك الشائكة تمنعها من رؤية ‏ما خلفها، كما يمنع النسمات العليلة من أن تلامس الملابس الرثة والأحذية المعلقة على جدران مركز احتجاز النجيلة الذي يقبع ‏وراء أبوابه أكثر من مئة لاجئ ومهاجر.‏

أما في الخارج، فأصل مع فريق من العمال الصحيين مع منظمة أطباء بلا حدود إلى المركز المدجج بالحراسة وقد أتينا بالأدوية ‏والحصص الغذائية وصندوق مليء بالدفاتر. وهدفنا اليوم: محاولة علاج الأمراض الجسدية والتصدي لأهم احتياجات الصحة ‏النفسية للمحتجزين من اللاجئين والمهاجرين. إذ يعاني هؤلاء الناس من حالات متنوعة تتفاقم في ظل سوء الظروف التي تفتقر ‏للإنسانية في معتقلهم، لكن من أكثر هذه المشاكل وضوحاً تزايد نوبات الخوف والقلق والأرق والاكتئاب.‏

هذا وقد تفاقمت خلال الشهر الماضي كافة المخاوف الصحية الجسدية منها والنفسية، وذلك في ظل الاشتباكات العنيفة التي ‏اندلعت في العاصمة الليبية، والتي هي ثالثة حلقة عنف خلال سبعة أشهر. وقد عرّض القتال المدنيين في مختلف مناطق العاصمة ‏طرابلس للخطر كما أنه وضع ما يزيد عن ثلاثة آلاف لاجئ ومهاجر محتجز في خطر داهم من التعرض لإصابات خطيرة نتيجة ‏للقصف العشوائي وإطلاق النار والضربات الجوية في محيط مراكز الاحتجاز.‏

وفيما ندخل مركز النجيلة ونبدأ استعداداتنا للعمل الذي في انتظارنا، نرى مجموعة تضم حوالي ثمانين رجلاً وقد أخرجوا من زنزانة ‏مكتظة حيث أمرهم الحراس بالجلوس أرضاً في أرتال يضم واحدها عشرة رجال، علماً أن الحياة بالكاد باديةٌ على أوجه كثيرين ‏منهم. كانت نظراتهم خاوية وأوجههم تخلو من المشاعر، غير أن انتباههم قد استقر على مضض على امرأة شابة تقف أمامهم ‏مرتديةً سترةً بيضاء عليها شعار أحمر اللون.

هؤلاء الناس في نهاية المطاف ليسوا بحاجة فقط إلى طبيب، إنما هم بحاجةً إلى الاهتمام. فلا بد أن يعرفوا أن شخصاً ما في مكان ‏ما يهتم لأمرهم ويعالجهم بكرامة وهذا حقّهم.‏

بلقيس المقدمي مترجمة ليبية عمرها 24 عاماً تتحدث بهدوء إنما بصوت واثق يتناقض مع مظهرها الهش. "صباح الخير جميعاً. نحن ‏أطباء بلا حدود".‏

بدأت زميلتي التي تتنقل برشاقة بين العربية والفرنسية والإنجليزية بالحديث عن الأطباء والممرضين وعمال الصحة النفسية الذين ‏يأتون إلى المركز أسبوعياً لتقديم الرعاية الطبية. وفي نهاية حديثها التعريفي تضيف بلقيس ملاحظة يسهل إغفالها إنما تتمتع ‏بالأهمية فتقول: "سنوزع اليوم عليكم دفاتر وأقلام. وإن كانت لديكم أية أفكار أو رسومات تودون التعبير عنها فهذا قد يكون ‏مفيداً".‏

ربما تكون تلك بادرةً بسيطة غير أنها قد تحدث فرقاً هائلاً في حياة أناس مروا بالكثير ولا يمتلكون اليوم إلا القليل من الحرية. فقد ‏عانى الكثير من التعذيب على يد تجار البشر مما خلّف صدمات بالغة. كما أن منهم من رأى أحباءه وهم يغرقون أمام أعينهم ‏خلال محاولتهم عبور البحر الأبيض المتوسط والتي باءت بالفشل بعد أن جرى اعتراضهم وإعادتهم إلى ليبيا.‏

يقول هشام الصفراني وهو عامل مجتمعي مع أطباء بلا حدود: "يسترسل الناس في التفكير في ظل احتجازهم في مكان لا يفعلون ‏فيه شيئاً. فمن منظور الصحة النفسية، نجد بأن الناس يميلون إلى استذكار تجارب سابقة وخاصةً السلبية منها عندما يحاصَرون في ‏وضع جديد يكون في غاية الصعوبة ولا تكون أمامهم أية خيارات".‏

Condemned to drown at sea or be locked up in Libya
زنزانات الرجال في مركز الخمس للاحتجاز، والذي يبعد 120 كيلومتراً شرق طرابلس، والذي أحضر خفر السواحل الليبي إليه 276 شخصاً في يوم واحد فقط، في 2 سبتمبر/أيلول 2018.
Sara Creta/MSF

يمكن للتحفيز الذهني عن طريق الكتابة أو الرسم أو حتى الألعاب البسيطة التي لا تحتاج سوى ورقة وقلم أن يكون بمثابة وسيلة ‏علاجية من شأنها أن تساعد الناس في التعبير عن ذواتهم والتعامل مع الظروف الخطيرة التي يواجهونها كل يوم. كما أن هذه ‏الأنشطة قد تساعد في بناء نسيج اجتماعي بين المحتجزين الذي تتنوع جنسياتهم وإثنياتهم وتجاربهم. ففي المعتقل، ربما يكون ‏القلم أصدق أنباءً من السيف والدواء مجتمعين.‏

ويضيف الصفراني: "لا نقول بأنهم سيتحسنون، إلا أننا نعمل على التقليل من تبعات الاحتجاز قدر الإمكان. [فنحن نحاول] ‏أن نمكن الناس كي نبين لهم آليات التأقلم والأنشطة التي يمكن لهم القيام بها للنجاة، فأهم ما في الأمر هو النجاة".‏

يعمل الطاقم الطبي على فحص المرضى للكشف عن الأمراض المختلفة كالتهابات الجهاز التنفسي والإسهال المائي الحاد والجرب ‏والسل، فيما تقوم مجموعة صغيرة من فريق أطباء بلا حدود بجمع عينات من أرضيات الجزء البعيد من المركز حيث يتحدث ‏المرشد النفسي حول موضوع التوتر. إذ يدور هناك نقاش حول أسباب التوتر والعلاقة التي تربطه بمشاكل أخرى كالأرق، وكذلك ‏سبل التأقلم معه. تبدأ المجموعة بإجراء تمارين التنفس وتؤدي بعض التمارين الرياضية البسيطة. يبدو عليهم الانتباه كما أن ‏بعضهم يبتسم وكأن الحياة قد عادت إليهم.‏

بعد أن ينتهي العمل في مركز النجيلة، أراقب بانزعاج كيف يؤمر المحتجزون بالعودة إلى زنزانتهم. هؤلاء الناس في نهاية المطاف ‏ليسوا بحاجة فقط إلى طبيب، إنما هم بحاجةً إلى الاهتمام. فلا بد أن يعرفوا أن شخصاً ما في مكان ما يهتم لأمرهم ويعالجهم ‏بكرامة وهذا حقّهم.‏

وقد دعت منظمة أطباء بلا حدود منذ اندلاع القتال في 4 أبريل/نيسان المجتمع الدولي إلى إجلاء اللاجئين والمهاجرين العالقين ‏قرب مناطق النزاع إلى المكان الوحيد الذين سيكونون فيه بمأمن، ألا وهو خارج ليبيا. لكن لم يتم إجلاء سوى 455 شخصاً إلى ‏خارج ليبيا حتى الآن، في حين جرى اعتراض 300 إلى 400 شخص في عرض البحر وأعيدوا قسراً إلى ليبيا في خرق للقانون ‏الدولي ليوضعوا من جديد في مراكز الاحتجاز التي يعانون فيها من ظروف خطيرة.‏

المقال التالي
ليبيا
بيان صحفي 26 أبريل/نيسان 2019