ليبيا: سياسات الهجرة الأوروبيّة وراء مأساة اللاجئين والمهاجرين المُحتجزين في ليبيا

ثيري ألافورت-دوفيرجر، المدير العام لمنظمة أطباء بلا حدود في فرنسا

ظروف الاحتجاز في مركز أبو سليم حيث يتم احتجاز اللاجئين ولا يتم اخبارهم بما يمكن ان يحصل لهم
قبل أيام قليلة، قدمت فرقنا في ليبيا خدمات رعاية طبيّة في مركز احتجاز في منطقة مصراته إلى ما يقارب 100 من الرجال والنساء كانوا قد  نُقلوا إلى المركز بعد أن اعترض خفر السواحل الليبي زورقهم وأعادهم إلى التراب الليبي. وعلى الرغم من عملنا في مراكز الاحتجاز فإنه  ليس لدينا أي فكرة عما يحدث للناس هناك، حيث يختفي المرضى الذين نقدم لهم العناية الطبيّة بين ليلة و ضحاها.

في صيف عام 2017، كثّف خفر السواحل الليبي اعتراضاته لزوارق المهاجرين في البحر بعد الدعم الذي قدمه له الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، حيث لعبت فرنسا وإيطاليا دورا رئيسيا في هذا الدعم. تُعتبر ليبيا الآن وأكثر من أي وقت مضى فخا كبيرا لمن كانوا يحملون أملا في العثور على عمل هناك أو العبور إلى أوروبا بحثا عن ملجئ وحياة أفضل.  

أظهرت اللقطات المروعة التي بثتها شبكة CNN في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 وضعا طالما استنكرته الكثير من المنظمات الدوليّة. إن الأعمال المُربحة المتعلقة بالاختطاف والتعذيب وابتزاز المهاجرين واللاجئين الذي يتم تقليصهم إلى مجرد سلع هي أعمال يتم تسهيلها عبر سياسات الهجرة القمعيّة، حيث أن أوروبا مُستعدة للقيام بكل ما يلزم لمنع وصول المهاجرين إلى الأراضي الأوروبيّة. ومع ذلك، فإن الصور المتلفزة لبيع العبيد  التي تم عرضها على القنوات الإخبارية الأمريكية ساهمت في دفع  بعض ردود الفعل السياسية، حيث أدانت فرنسا الوضع ووصفته ب "جريمة ضد الإنسانية" كما طالبت بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن.

دعم متواصل من قبل الاتحاد الأوربي

ولكن كيف نفهم البعض، مثل إيمانويل ماكرون، الذي يُصنف ويُدين ما يحدث في ليبيا بينما "في الوقت نفسه" يواصل دعم خفر السواحل الليبي وتمويل تدابير أخرى تهدف إلى إبقاء الناس في جحيم يبذلون قصارى جهدهم للهروب منه؟ إنه مستوى جديد من النفاق! من يمكن أن يجرؤ على الادعاء  بأن الرجال والنساء والأطفال، الذين تم انزالهم من الزوارق التي يتم اعتراضها وأعيدوا إلى ليبيا، يُقيمون في مراكز مريحة تم تجديدها لتستجيب إلى "المعايير الدولية  بفضل كرم دافعي الضرائب الأوروبيين؟ ليس هناك أي مجال للشك أنه بمجرد العودة إلى  التراب الليبي يُلقى بهؤلاء مجددا في حلقات مفرغة من العنف الشديد والحرمان بسبب التداخل الغير واضح بين السلطات وشبكات الاتجار المبلغ عنها لسنوات من قبل العديد من المراقبين.

إن انعدام الأمن والقيود المفروضة التي تعيق وصولنا  على الوصول تجعلنا ندرك تماما حدود ما يمكننا أن نأمل في تحقيقه في مراكز الاحتجاز الليبية. لا يستطيع أطباؤنا الوصول دون عوائق إلى المُحتجزين كما أنهم ليسوا أحرارا في أن يقرروا أي المرضى الذين يجب فحصهم أو تقديم العلاج لهم، مع إخفاء بعض المحتجزين حتى لا تتمكن فرقنا من مساعدتهم. إن الادعاء  بأن المال هو كل ما يلزم لتحسين الظروف في مراكز الاحتجاز الليبية هو مغالطة كبرى كما لم ينجح التمثيل الدبلوماسي وغيره من وكالات الأمم المتحدة، كالمنظمة الدولية للهجرة و المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ذات الحضور الضعيف والمحدود في ليبيا من تحسين الوضع.

إلى أي مدى يُمكن لوجود منظمة أطباء بلا حدود أن يُضفي بعض الإنسانيّة على منظومة متوحشة؟ سؤال صعب ومُعضلة كبرى نحاول تجاوزها  عبر تقييم وموازنة قدرتنا على تقديم المساعدة الأساسيّة إلى الأشخاص الذين يعيشون هذه محنة وعلى الوصول إليهم اضافة إلى  التحدث علنا للتوعية بالعنف الذين يتعرضون اليه والظروف اللاإنسانيّة التي يعيشونها في ظل تواصل سياسات الهجرة الخطرة التي يتبعها الاتحاد الأوروبي.

زيادة كبيرة في عدد المهاجرين المحتجزين

لا توجد حلول سهلة ولكن  التعبير عن الغضب من الجرائم المرتكبة ضد المهاجرين في ليبيا في الوقت الذي تتواصل فيه سياسات إعادتهم إلى التراب الليبي وترك أكبر عدد ممكن منهم على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط هو أمر مخز للغاية.

في أكتوبر / تشرين الأول 2017، تضاعف عدد المهاجرين المحتجزين في مراكز الاحتجاز الرسمية ثلاث مرات، وفقا للتقديرات التي قدمتها المنظمة الدولية للهجرة وإدارة مكافحة الهجرة غير القانونية والوكالة الليبية التي تديرهما. صُدم مراقبو الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مما رأوه في مراكز الاحتجاز في طرابلس خلال مهمتهم في بداية تشرين الثاني / نوفمبر حيث شاهدوا الآلاف من الأشخاص وقد تعرضوا للعنف والتجويع مكدسين فوق بعضهم البعض ويتم احتجازهم في الحظائر كما يتعرضون لأنواع قاسية من العنف والإيذاء. وفي 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2017، أعلن السيد زيد رعد الحسين، المفوض السامي لحقوق الإنسان أنه منذ أن كثف الاتحاد الأوروبي تدخلاته لوقف الهجرة، أظهرت تقارير المراقبة تدهورا في الأوضاع السيئة أصلا  لاحتجاز المهاجرين واللاجئين في ليبيا.

ما الذي يأمل السيد ماكرون تحقيقه عند دعوته، في ابيدجان، إلى حلول عسكريّة وأمنيّة في ليبيا لتفكيك شبكات التهريب؟ من شأن أي تدخل عسكري أجنبي آخر أن يزيد في  تأجيج الصراع في ليبيا، حيث لا يمكن لأي سلطة أن تدعي احتكارها المشروع للعنف. ستكون مجابهة التهريب والمهربين دون توفير طرق آمنة وقانونيّة للتحرك والهجرة مأزقا آخر ولن تأتي بالحلول. وبعيدا عن الإيماءات الرمزية، فإن المطلوب بشكل عاجل هو تغيير سياسات الهجرة للدول الأوروبية فلا بد من تطبيق إجراءات ملموسة ليس فقط للمساعدة في تخفيف معاناة أولئك الذين يتعرضون لكابوس في ليبيا، بل والأهم من ذلك، وضع حد فوري للسياسات التي تزيد من بؤسهم.

وبالتالي، نحث الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه - وبشكل خاص فرنسا وإيطاليا التي لها دور رئيسي - على تسهيل عمليات البحث والإنقاذ في البحر، ووقف دعمها لخفر السواحل الليبي الذي يعترض ويعيد  المهاجرين إلى ليبيا التي دعونا لا ننسى أنه ليست دولة موقعة  على اتفاقية جنيف المتعلقة باللاجئين. إذا لم يحدث هذا التغيير فإن فرنسا ستغرق في مزيد من التواطؤ مع الجرائم ذاتها التي تُدينها.

وقد اتخذت فرنسا مبادرة بناءة مع البعثة الأولى التي يديرها المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين والأشخاص بدون الجنسية والتي من شأنها أن تمكن مجموعة من اللاجئين من الحصول على اللجوء في فرنسا دون الاضطرار إلى القيام برحلات محفوفة . حتى الآن ليست هناك معلومة حول عدد المستفيدين من هذه المبادرات، ولكنه لن يكون أكثر من مجرد قطرة ماء في المحيط مثلها كمثل ما تقوم به منظمة أطباء بلا حدود. اضافة إلى ذلك ، ما هو مصير جميع الذين عانوا الأسوأ، ولكنهم غير مؤهلين للحصول على صفة لاجئ؟

يجب منح كل الناس المحاصرين في الفخ الليبي، التي ساهمت في وضعه فرنسا والاتحاد الأوروبي، فرصة للمغادرة والهرب. ويشمل ذلك التطبيق الكامل لحق اللجوء لأي شخص مؤهل، وزيادة عروض العودة الطوعيّة إلى بلدان المنشأ  لمن يريد ذلك وتنفيذ أشكال إضافية من الحماية في البلدان المجاورة وفي أوروبا (وهذا يشمل فرنسا) لتلبية احتياجات الناجين من هذا الجحيم.


تعمل منظمة أطباء بلا حدود في ليبيا منذ عام 2011 على تقديم المساعدة والرعاية الطبية للاجئين والمهاجرين في مراكز الاحتجاز الواقعة في مناطق طرابلس ومصراته لأكثر من عام.