أفغانستان - قندوز: هذه هي قصّتي

الدكتورة ايفانجيلين كوا جرّاحةٌ من الفلبين، كانت تعمل في  المستشفى الذي تديرهُ منظمة أطباء بلا حدود في قندوز، عندما دمّرتهُ الغارات الجوية الأميركية في 3 أكتوبر /تشرين الأول 2015، وهي تروي قصّة نجاتها من تلك الليلة المرعبة.

 

لقد تكرّر الأمر الليلة الفائتة.

كنت أنا والجرّاح المساعد كدجاجتين مقطوعتي الرأس تتخبّطان في الظلام الدامس. أما طاقم الممرضين الذين كان معنا قبل لحظات، فخرجوا من البناء متحدّين وابِلَ الرصاص المتساقط علينا. كنت أسعل وأكاد أختنق بسبب عاصفة الغبار التي اجتاحت المكان، وأشعر بطعم الرمل في فمي من خلف قناع العمليات، وأسمع صوت أنفاسي المضطربة. لم أستطع الرؤية جيداً بسبب الدخان الكثيف المنبعث من الغرفة المجاورة. ولمحت فجأةً وميضاً خفيفاً صادراً من هاتف رجلٍ بدا أنّه مصابٌ بشدّة، ولكنه يحاول إرسال كلماته الأخيرة ... لعلّها كانت لمن يحبّ! وقفتُ مُصابةً بالذهول ولا أعرف أين سأهربُ وأنا أسمع أصوات القذائف تتساقط في كلّ مكان بشكلٍ منتظم، فتهتزّ الأرض وتتطاير الشظايا في المكان.  حاولت أن أحصي عدد الانفجارات لكنها كانت كثيرةً جداً، وتوقفت عن العدّ عند القذيفة الثامنة وصلّيت بصمتٍ أن نستطيع الخروج من هناك أحياء.  

التهمت ألسنة اللهب سقف أحد أطراف المبنى، وكانت تتلاعبُ وتسطعُ في الظلام وتمتد لتحرقَ أغصان شجرةٍ قريبة.  احترقت وحدة الرعاية المركّزة تحترق، لذلك قررنا الذهاب في الاتجاه الآخر إلى بهو المستشفى، ورأيناً بصيصاً من الضوء. أخذنا نفساً عميقاً واتجهنا إلى هناك  والحطام يصدر صوتاً قوياً عندما ندوس عليه. رأينا حطام المبنى يتساقط علينا ونحن نمشي، وبدا من منظر المكان حجم القوة الهائلة للانفجار، حيث تدلّت  الأسلاك الكهربائية  من السقف، والأرض مغطاةٌ بأكوام الزجاج المحطّم والخشب والأوراق والإسمنت والبلاستيك، وركامٌ غريبٌ يملأ المكان.

فوضى عارمة.

لا أجدُ كلمةً مناسبة للتعبير عمّا شعرت به. فبعد أن مشينا لمسافةٍ قصيرة سقطتُ على جسمٍ طريّ اكتشفت أنه  جثّةً بشرية... أو بالأحرى العديد من الجثث. نهضتُ ببطء وأنا أحبس صرختي وأشعر بالخوف مما هو أسوأ، لأنني شعرت بشيء  رطبٍ ولزج على مقدمة مئزر الجراحة وعلى القفازات. فحصتُ جسمي بسرعة ورأيت جرحاً كبيراً على ركبتي، وشظايا الزجاج تملأ مئزري وخشيت أن تدخل جسمي، ولكنني تفقدته جيداً ولم أجد إصابات بالغة لحسن الحظ.   

أكملنا سيرنا ببطء، وقررنا أن نحتمي قرب أحد الجدران في المنطقة الوحيدة المُضاءة، وأن ننتظر توقّف القصف. اجتاح الصمت المكان من الداخل  بشكل رهيب، والفوضى عمّت  المكان؛ بابٌ على الأرض، وكرسي مدولب وسط القاعة وأوراقٌ مبعثرة. أما في الخارج  فالطنين المتواصل في الأعلى أثار  الكثير من التساؤلات؛ أهي طائرة؟ هل ستلقي قذائفها؟ لماذا تقصف المستشفى؟ لماذا نحن؟وفجأةً، ودون سابق إنذار، دوّى انفجارٌ هائلٌ هزّ المكان، وانهارَ السقفُ علينا وانطفأت الأضواء الباقية فعمّ الظلام. صرختُ وأنا أشعر بالرعب وقد ثبتتني الأسلاك بالأرض، وكان هذا آخر مشهدٍ أتذكره. 

صحوتُ وأنا أبكي وأشعر بالضياع. فقد مضت ثلاثة أشهر منذ أن غادرت أفغاستان آخر مرّة إلى بلدي، وباستثناء الجرح الذي أصبت به في ركبتي، فقد كانت حادثة مركز قندوز المروعة من الذكريات التي لا تنسى أبداً. أعقبَ تلك الحادثة جلسات استماع، واستشاراتٍ نفسية، وممارسة تقنيات التأمّل إضافة إلى الكتابة بكثافة للتخلص من تلك الذكرى السيئة... ولكن هذا الجهد كلّه تلاشى، حيث عادت الذكريات المؤلمة عندما سمعتُ صوت الألعاب النارية! لقد تذكرتُ رائحة الدخان الخانقة، والجثث والشعر المحترق، ورائحة الدم الدافئ الممزوج بمواد التنظيف في المستشفى والرعب الذي شعرت به في تلك الليلة. ولم أستطع أن أقاوم الرعب والحاجة إلى الهرب بحثاً عن ملجأ أحتمي فيه، لكنني تذكَرتُ أنني بأمانٍ في منزلي ولن أتعرّض للأذى، وبدأت أسأل نفسي لماذا كنت في المستشفى في تلك الليلة المرعبة.  

كنت في الثانية عشرة من عمري عندما قرأت قصةّ حياة جرّاحةٍ مشهورة في المدرسة، وحلمتُ أن أصبح مثلها يوماً، وأن أرتدي مئزر الجراحة وأحمل المبضع بيدي وأنقذ حياة الناس. أما الرغبة في العمل في المناطق الساخنة فقد ظهرت في وقت لاحق ولكنها لطالما لازمتني . وشعرتُ أنني فزت بالجائزة الكبرى عندما تمّ قبولي كجرّاحةٍ ميدانية في منظمة أطباء بلا حدود. لم أصدّق ذلك! وعلى الرغم من تحذيرات عائلتي وأصدقائي من الأطباء  عن مخاطر العمل في مناطق النزاعات إلا أنني كنتُ في غاية الحماسة لبدء مهمتي الأولى.  

بدأت العمل في مركز قندوز لعلاج الإصابات البالغة الذي يحوي مئة سرير، وتوقّعت  أن لا يتوقف تدفّق المرضى، وأن أعمل بشكلٍ متواصل حتى أشعر بالإنهاك الكامل وأزحف إلى سريري للنوم. رغبت  بالعمل على حالات معقّدة كشظايا القنابل وإصابات الأعيرة النارية التي  لطالما  قرأت عنها في الكتب. ولكن ما حدث هو أنني بقيتُ بلا عملٍ تقريباً في الأسابيع الأولى باستثناء علاج بعض الإصابات الناجمة عن حوادث السير كإصابات الكبد، وبعض العمليات الجراحية العامة، تضمّنت في أغلب الحالات كسوراً في العظام وهو أمرٌ لا أعرف عنه شيئاً تقريباً، بينما كان هناك ثمانية أخصائيين في جراحة العظام من أفراد الطاقم المحليّ، وهم يملكون خبرةً واسعةً الأمر الذي دفعني للتساؤل إن كان لوجودي في ذلك المكان أيّ معنى.  شعرت بالممل أحياناً وأردت  إجراء العمليات الجراحية فهي السبب الأساسيّ لوجودي هناك. لقد خاب أملي عندما عرفت أنّ مهمتي هنا ستنتهي بعد أسبوعين فقط وكلّ ما قمت به هو الجولات الاعتيادية، وحضور الاجتماعات الصباحية إضافة إلى علاج بعض جروح الطعنات والإصابات البطنية.

إلى أن بدأت الحرب. 

 

تلقينا التعليمات الأخيرة المتعلقة بالسلامة وكيفية التصرف في المواقف الصعبة، ولم أستطع  التركيز. كان صوت المنسّقة الميدانية يختفي ويعود، ومعدتي تضطرب وأنا لم أنم طوال الليل.

أومأ الحاضرون برؤوسهم في الوقت نفسه موافقين، ولكنني لم أستطع التركيز ولم أسمع كلّ ما قالته المنسّقة الميدانية. كنت أحاول تسوية وشاحي بيد وأكتب رسالة لعائلتي باليد الأخرى.

 

سأذهب مع الفريق الجراحي إلى المستشفى. لا توجد شبكة انترنت هناك.

سأتصل بكم حالما أعود إلى المنزل. لا تقلقوا عليّ. سنكون بأمان :)

 

فشل الإرسال

فشل الإرسال

فشل الإرسال

لم تصل الرسالة! انطلقت بسرعةٍ وأنا أخفي خيبتي وأحمل حقيبة الظهر إلى السيارة التي كانت تنظرني فيها مُشرفة الممرضين في غرفة العمليات. أما أخصائي الجراحة العظمية وطبيب التخدير فكانا في السيارة الأخرى.

كان قلبي يخفق بسرعةٍ كبيرة، وجلست في مكان قريب من الباب لكي ألقي بنفسي إلى الخارج عند الضرورة. ودارت  الأسئلة في رأسي بلا توقف؛ ما الذي سنفعله إن تعرضنا لهجومٍ بالقنابل، أو إن لم يسمحوا لنا بالمرور، أو إن تعرضّنا للاختطاف؟ لكنني قرّرت البقاء صامتة والحفاظ على مظهري الهادئ لكي أركزّ على الرحلة إلى المستشفى. لقد أشرقت  الشمس عندما توقف صوت الإنفجارات بشكلٍ مؤقّت وأصبح المكان هادئاً نوعاً ما. وعندما تلقينا إشارة الانطلاق، فُتحت بوابة مقر إقامة الطاقم، وانطلقت السيارتان في شوارع قندوز الساكنة المهجورة.   

 

لا أحد يملك أدنى فكرةٍ عمّا سيحدث. فعلى الرغم من انتهاء احتفالات العيد الذي يعتبر مناسبة خاصةً في العالم الإسلامي، كانت الأفراح عامرةً في قندوز، ولم نسمع صوت رصاصةٍ واحدة في عطلة نهاية الأسبوع تلك. إنه موسم تفتّح الأزهار و الطقس مثالي ً. الرجال يهنؤون بعضهم، والأطفال يجوبون الشوارع بملابسهم الأنيقة وهم يأكلون الحلوى، والناس يتشاركون الطعام ويتنزّهون بحريّةٍ ويزورون أقاربهم وأصدقائهم. لقدر سررنا لرؤية الأولاد والكبار يلوحون لنا عندما مررنا قربهم في الشوراع التي تؤدّي إلى المستشفى والتي  هي عادةً شبه فارغة. رحّب بنا الطاقم المحلي ومُرافقي المرضى بحفاوة وودّ، وتبادلنا معهم التهاني بالعيد. 

ولكن بعد يومين فقط من تلك العطلة الهادئة، سيطرت حركة طالبان على مدينة قندوز من جديد بعد 14 عاماً، وذلك عقب اشتباكاتٍ عنيفة بين القوات الحكومية ومُسلحي المعارضة.

لقد فقدت الإحساس بمرور الوقت، ولولا الساعة المعلقة على الجدار لما عرفت أن المساء قد حلّ. كنا نسمع أصوات الانفجارات العنيفة من بعيد، وكنت قد أنهيت عمليتي الجراحية السادسة وأنا أجفّف يداي بقطعة قماشٍ قرب منطقة الغسيل. رأيت بقعاً من الدماء على مئزري وحذاء الجراحة، وهي على الأرجح دماء امرأةٍ حامل أُصيبت برصاصةٍ طائشة في الرقبة. شعرت بالإنهاك  وبألم رهيب في قدميّ بعد وقوفٍ لقرابة تسع ساعات، ولم أفكّر سوى بوجبة طعامٍ ساخن ونومٍ عميق.  

سمعت ممرّضةً تقول أن هناك بعض المسلحين عند بوابة المستشفى ولكنهم احترموا سياسة "عدم حمل السلاح" في حرمِ المستشفى، فقلت لها بصوت مرتفع أن هذا رائع وأنا أحاول أن أبدو سعيدة. ذهبت بسرعة إلى المكتب الخالي وفتحت خزانتي وأخرجت منها قطع الشوفان الجاهزة. لقد اشتقتُ إلى وجبتي الفطور والغداء، وإذا استمرت الإصابات بالتوافد إلى المستشفى فلن أتمكن على الأرجح من تناول العشاء، لذلك استمتعت بكلّ لقمة بهدوء، ولم أترك حتى كسرة خبزٍ صغيرة، وكانت اللافتة التي تشير إلى أنّ "تناولَ الطعام ممنوع هنا" هي الشاهد الوحيد على درجة جوعي. بقيت في المكتب لفترة طويلة وأنا أقاوم النعاس وأستعرضُ الحالات التي عالجتها في ذلك اليوم في رأسي.

 

ثم سمعت أحدهم ينادي اسمي.

سألني بصوتٍ يشير إلى حالة طارئة: "هل تستطيعين معاينة المريض في غرفة الطوارئ وأن تخبريني من سيدخل غرفة العمليات أولاً؟" 

الآن؟

أجل الآن.

لبست رداءً أبيض فوق مئزري الملطّخ بالدماء، وتبعت الطبيب إلى غرفة العمليات ولم أستوعب المشهد الذي رأيته هناك مباشرةً، حيث رأيت  العشرات ممدّدين على أرض الغرفة، وآخرين على النقالات المنتشرة على جانبي غرفة الطوارئ. وجدت  نساء في الزيّ التقليدي مضرجاتٍ بالدماء، وكانت إحداهنّ حاملاً، وأخرى تحدق في السقف بخوف، ورجالٌ ببقايا ملابس ممزّقة، وصبيٌّ صغير يئنِّ من الألم وقد فقد قدميه وهو ينزفُ بشدّة. 

جميعهم ضحايا العنف، رجالٌ ونساءٌ وأطفال.

لقد صدمني ذلك المشهد وأنا أمشي بحذرٍ بين المصابين وأتأرجح قليلاً وأشعر بالدوار. كان المصابون في كلّ مكان، والمزيد يتوافدون. ومع أنني لم  أرد رؤية تلك المشاهد لكنّه عملي. لذلك طلبت من أحد الجرّاحين المحليين أن يرافقني لفحص أحد المصابين وقياس مؤشراته الحيوية. قمنا بترتيب الحالات حسب الأولوية وسجّلنا ذلك على جدول المعاينة الخاص بكل مريض؛ فهذا سيدخل إلى غرفة العمليات أولاً، والمصاب بشظايا قنبلة في بطنه إلى الغرفة الثانية، وتذكير مرافقي المرضى أن يحضروا أكياس الدم". أكملنا عملية الفرز وكان هناك 12 مريضاً بحاجة إلى جراحةٍ عاجلة، أمّا بقية الحالات فلم تكن حرجة.

لقد كانت ليلة طويلة بالنسبة لنا جميعاً.

 

 عُدت ببطءٍ إلى غرفة العمليات ونظرةُ الضياع تعلو وجهي، وجفلتُ عندما أوقفني رجل أفغاني هرمٌ له لحيةٌ طويلة وعينان لطيفتان، وقد حاول أن يمسك يدي وهذا أمر غير معتادٍ من رجلٍ أفغاني، وطلب مني بصوت مرتجف ولغة غير واضحة تماماً أن أفحص ولده المصاب وهو يشير إلى المنطقة السوداء.

إنها منطقة الفرز، وهي تضمّ المرضى الذين يعانون من إصابات حرجة وفرصُ نجاتهم ضعيفةٌ للغاية. حاولتُ أن أتهرّب من الإجابة وأن أحيله إلى أحد الممرضين لكي يساعده، لأنني لم أستطع تحمّل نظرة الحزن على وجهه، وكنت أدرك مدى حراجةِ وضع ولده. 

لكنني لم أستطع ذلك، وسألته ما الذي أصاب الشابّ.

أخبرني أنه أصيب بانفجار قنبلة، ولم تكن هناك سيارة لنقله إلى المستشفى لذلك استغرق الأمر وقتاً طويلاً.

قال لي بفخرٍ وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة: " إن ولدي شابٌ رائع أيتها الطبيبة". لم أسمح لشهقة الذعر أن تخرج عندما رأيت الشاب ممدّداً على النقّالة قرب الجدار، فهو في أوائل الثلاثينات، وهو مصابٌ بحروحٍ متعددة من مختلف الأحجام في جميعِ أنحاء جسمه. لقد أدّى انفجار القنبلة إلى إصابته بجرح كبير مفتوح في الصدر، واستطعت من خلاله رؤية جزء من رئته المكشوفة. كانت نظراته باردة ونبضه ضعيفٌ جداً، وحاولت أن أفعل أي شيءٍ لمساعدته فقمت بتعديل الأنبوب الوريدي، وغطّيت صدره برفقٍ بقطعة من القماش واعتذرت من والده بصوتٍ حزين وقلت له أنني سأطلب من أحد الممرضين الاعتناء بولده.

لن أنسى أبداً نظرة الامتنان التي رمقني بها وكأنني أعطيت ابنه فرصةً ثانيةً للحياة.

 

راودتني الكوابيس   باستمرار وبالأخصّ أصواتُ الألواح الخشبية التي تتكسّر فوق رؤوسنا، وصرخات الرعب التي أطلقتها والمشهد الذي وقعت فيه على الأرض.

 

 ما زلت أتذكر تلك اللحظة وكأنني أعيشها الآن، حيث سمعت الطنين في أذنيّ وشعرت بضغطٍ هائل بعد وقوع الانفجار. شعرت أن قلبي على وشك الخروج من صدري ولم أستطع التحرّك من شدّة الصدمة. وأتذكّر أيضاً اليد التي  أمسكت بي محاولةً  سحبي وأنا ممدّدةٌ هناك، والصوت الذي  ناداني : "هيا انهضي".

نهضتُ ببطءٍ وأنا أتألّم، وأحاول رؤية صاحب ذلك الصوت في الظلام، وصرخت قائلةً: "توقّف عن سحبي"!كانت هناك مجموعة من الأسلاك الضخمة فوق صدري وهي تعيق حركتي، وشعرت بالألم وكأنني تلقيت ضربةً هائلة على صدري، ولكنني عرفت أنّه علينا الخروج من هناك دون أن نُضيّع أيّ لحظة. حاولت أن أحرّر نفسي من الأسلاك التي تقيدني وأنا أتساءل عن مصير الآخرين. فقبل لحظاتٍ جلسنا قرب الجدار ننتظرُ انتهاء القصف، وانضمت إلينا مجموعة من خمسة أطفال وامرأتين تحمل كلّ منهما رضيعاً بين يديها. أطلق أحد الأطفال صرخةً مدوّية أنهَت حالة الصمت وبعثرت أفكاري، ثم سمعت صرخة ألمٍ وعذاب أخرى، ووقعَ أقدامٍ تجري مذعورةً. وفجأةً حلَّ الصمت وكأنَّ شيئاً لم يكن، وأدركتُ أنَّ الأطفال والنساء قد أصيبوا.      

نجحت في تحرير نفسي وبدأت بالركض مع بقية الزملاء إلى خارج المبنى. عمّ الظلامُ  المكان في الخارج، ورأينا الأبنية الأخرى على بعد أمتارٍ منّا ولكن الركض للوصول إليها في ذلك المكان المفتوح خطيرٌ جداً.

 

بدا عليه أنّه فقد الإحساس بالمكان، ونظر إليّ وسألني بأيّ اتجاه سنركض. أدركت بعد تقييمٍ سريع أنّ الركض باتجاه بوابة المستشفى والخروج إلى الشارع ليس الخيار الصحيح، فنحن لا نعرف ما الذي يحدث خلف تلك البوابة، ورأيت فجأةً سقفاً منحدراً وعرفتُ أنّه مدخل القبو فاتخذت القرار بسرعةٍ بالتوجه إلى هناك.  

صرخت على الفور: "إلى اليسار، انزل إلى القبو". وركضنا وقفزنا في الحفرة، لكنّنا لشدة خوفنا وإحباطنا وجدنا أنفسنا في مخرج نافذة القبو، محاصرين بالجدران الاسمنتية السميكة على عمق مترين تحت الأرض، وفوقنا سقفٌ رقيق. لقد وصلنا إلى طريقٍ مسدود في حجيمٍ مظلم لا نستطيع الخروج منه. لقد كان المخرج الصحيح على الجانب الآخر من الجدار، حاولنا أن نخلع النافذة المغطاة بالقضبان الفولاذية في حالةٍ من الرعب ولكننا فشلنا في ذلك، وكان وضعنا أشبه بفأرين عالقين في مصيدة.  سلّمت أمري للقدر وحاولت أن أتذكّر أننا فعلنا كل ما نستطيع، وإذا كانت نهايتنا هنا فنحن راضون بذلك. جلست قرب زميلي وأغمضت عينيّ  وأنا متعبةٌ وفاقدة الأمل، ولكنّ الغريب هو ذلك الشعور بالأمان والراحة. غبت بعدها عن الوعي ولا بد أن السبب هو انخفاض مستوى سكّر الدم.

 حاول زميلي أن يطمئنني بصوتٍ لا يخلو من الخوف وهو يقول أنّ كلّ شيء  سيكون على ما يرام وأننا سوف نخرج من هناك. وسمعت صوت نبضات قلبه المضطربة، وأنفاسه المتسارعة، وكرّرت ما قاله  وأنا أحاول أن أقنع نفسي أننا سنخرج فعلاً. 

كانت الريح تهبّ باتجاهنا وتحمل معها دخان القصف والدمار، ونحن نحاول بصعوبة بالغة ألا نستنشقه ونسعلُ ودموعنا تنهمر بغزارة. لقد كان صوت الأخشاب والأوراق الإشارة الوحيدة على وجود حريقٍ في الجوار، والقنابل لا  تزال تتساقط على المستشفى، واهتزّت الأرض تحت أقدامنا بقوة هائلة مع سقوط أحدها حتى ظنّنا أنها النهاية.

سمعت صوته وهو يقول برعب :"صلّي معي ... يا الله...."

لقد سمعت الكلمة الأولى فقط.

"ماذا تقول؟ أعِد ما قلته ببطء".

وبدأ بتعليمي الصلاة وكأنّه مدرّسٌ صبور يعلّم تلميذاً.

بدأت بترديد الكلمات التي كان يقولها.

لا ... إلهَ ....

إلا... الله ....

 

" لا إله إلا الله"

 

بالكاد  سمعت ما يقول بسبب الضجيج في الأعلى، وبصراحة، لم أفهم شيئاً مما  ردّدته  ولكنني قلته  من أعماق قلبي، وأتمسّك بأملِ النجاة. قد يحمينا الله برحمته وقدرته الواسعة، وقد رجَوتهُ في سرّي قائلةً: "أنا لست مسلمةً ولكنني أصلي إليك لكي تحمينا وتبقينا سالمين".

وفكّرت  في الوقت نفسه بوالدتي وما الذي ستشعر به إن عُدتُ إليها كومةً من الرماد؟ وماذا لو احترقت هنا حتى الموت ولم يستطع أحدٌ التعرّف على جثتي؟. لقد شعرت برعبٍ هائل لمجرد التفكير بالموت دون أن يعرفني أحد،  وأردت  أن أجنّبها هذا العذاب ولكن كيف؟ كيف ذلك؟ 

هذا وأصوات الأعيرة النارية والانفجارات الضخمة تقطع الصمت الذي يخيّم علينا،  ورأيت طيفه في الظلام وعرفت أن رأسه يضجّ بالأفكار أيضاً. لم أفرّق بين الوعي واللاوعي، وكنت منهكةً وجائعة ولا أريد سوى النوم.

بدأت أتذكّر الأيام الخمسة التي عشناها منذ بدء النزاع، حيث كنّا نُجري العمليات الجراحية دون توقّفٍ من الصباح وحتى آخر الليل، ونبقى أحياناً في غرفة العمليات لأكثر من 16 ساعة متواصلة. كانت يداي تصابان بالاحمرار والجفاف بسبب التعقيم المتكرّر،  وشعرت بألم هائل وأنا أحضّر نفسي للعمل الجراحي. كما أنني فقدت الكثير من وزني كما لاحظَ أحدُ الجراحين المحليين، وكانَ مُحقّاً لأنني فقدت شهيتي بسبب ما كنت أراه يوماً بعد آخر، وكان النومُ ضرباً من الرفاهية حيث حاولت النوم في غرفة تغيير الملابس كلما استطعتْ، على المقعد الضيق أو حتى على الأرض الباردة كلّما عجزت  عن الوصول إلى حيث ننام عادةً. فَسيلُ المصابين الوافدين إلى المستشفى لم يتوقّف، وضغط العمل هائل ً لدرجة أننا شعرنا بالتقصير في أداء واجبنا. ولكنّ نظرات البؤس على وجوه الأهالي وأطفالهم المصابين كانت كافيةً لكي نقدّم أفضل ما لدينا. لقد عملت  كالرجل الآلي في تلك الأيام، بلا مشاعر، و تركيزي مُنصبّ على ما أقوم به وعلى إنقاذ أكبر عددٍ ممكنٍ من البشر. لم أملك الوقت للتعبير عن مشاعري حتى عندما أردت  البكاء، لأن ذلك يؤثر بشكل سلبي على باقي أفراد الفريق. 

ثم انتلقت بالذاكرة إلى اليوم الذي سبق يوم الهجوم، فقد كان يوماً هادئاً في المستشفى، وجاء المشرف وأيقظني أنا وبقية الجراحين وأخصائيّ التخدير من نومنا العميق لكي نحضر الإجتماع الصباحي، و الساعة تجاوزت الثامنة بقليل. نهضت وأنا أشعر بالانتعاش بعد ثماني ساعاتٍ من النوم وكان ذلك أمراً رائعاً. لقد عادت الحياة  إلى طبيعتها،  وتمكّنا من المشي في الحقل المفتوح وصولاً إلى المستشفى دون أن نخشى الإصابة برصاصةٍ طائشة، كما أن اللوح الأبيض في قسم العيادات الخارجية  شهد على  هدوء الوضع وانخفاض أعداد المرضى، حيث كنت أذهب إلى ذلك القسم للقيام بجولاتٍ اعتيادية وهو أمرٌ افتقدت القيام به لأسبوعٍ تقريباً. 

لقد عادت الحياة إلى قندوز من جديد!

قمنا في ذلك اليوم بإحالةِ شابٍّ صغير إلى وحدة الرعاية المركّزة لإجراء عملٍ جراحي نهائي، كما كان هناك مريضان آخران في الوحدة بحاجة إلى عملٍ جراحيٍّ إضافي بعد خضوعهما للجراحة الأوليّة. أردنا  إنهاء كل الحالات المدرجة على جدول ذلك اليوم. استغرقت العملية الجراحية الأولى ثلاث ساعات ونحن نتبادل خلالها النكات والقصص لكي نكسر رتابة العمل. وأشارت  ساعة الحائط إلى الثانية ليلاً عندما نظرت إليها، وطلبت من أحد الجرّاحين المحليين أن ينهي العملية بينما أقوم بتسجيل تفاصيل العمل الجراحي، ودعوتهُ لمشاركتي الطعام بعد أن ينتهي.

وعندها بدأ القصف. 

كنتُ أتّكئ على كتفهِ عندما هزّني بعنفٍ وأيقظني وأنا أشعر بالرعب.

سألته بصوتٍ مُرتجف: "ما الأمر؟"

فقال لي بقلَق: "هل أنتِ بخير"؟

أومأت برأسي إيجاباً.  

 

 ازداد الدخان كثافةً وخشي  أن نختنق فقال لي: "لنخرج من هنا".

ولكنني أجبتهُ بحزم: "لا، سأبقى هنا. أفضل الموت اختناقاً بأوّل أكسيد الكربون السام على الموت برصاصةٍ طائشة في الخارج"، وأضفتُ قائلةً وأنا شبهُ غائبةٍ عن الوعي :" أغمض عيناك فقط"!. لم أعرف ما الذي دفعني لقول ذلك، ولكنني الآن أضحك على تلك العبارة.  فهي خارج السياق تماماً.

وافق زميلي على البقاء وطلب مني أن أغطي أنفي بمئزر الجراحة لئلا أستنشق الدخان وأفقد الوعي، ثم أضاف وهو يضحك: "قد لا أستطيع أن أحملك إلى الخارج إن فقدتِ الوعي".

سمعنا بعدها صوت أزيزٍ قويّ ....

وفجأةً، اخترق جسمٌ ما سقف الغرفة وسقط على مقربةٍ منّا. إنها رصاصة  طائشة، وكادت أن تصيبَ أحدنا. أصابتني القشعريرة في تلك اللحظة، واستطعتُ أن أرى سعيرَ النيران الملتهبة في الأعلى من خلال الفتحة التي أحدثتها الرصاصة في السقف. كنتُ متأكّدةً تماماً أنني سأموت في تلك الليلة، وأنّه لا مجال للخروج من ذلك المكان على قيدِ الحياة.

لم نعدُ نشعر بالنعاس، وبدأنا الحديث عن المشاريع التي سنقوم بها إذا بقينا أحياء حتى الصباح. بقينا مختبئَين في تلك الحفرة قرابة الساعة، ولا أحد يعرف أنني ما أزال حيّة، وطلبت منه بمرارةٍ أن يأخذني معه إلى أن أجدَ طريقة أخبر فيها زملائي أنني ما زلت على قيد الحياة.

"بالتأكيد! لنذهب إلى منزلي ونختبئ هناك مؤقتاً".

"حسناً. ولكن هل يوجد طعامٌ في المنزل؟ هل يوجد قبوٌ نحتمي فيه؟ هل هو آمن؟"

"أجل".

"كيف سنصل إلى هناك"؟

كانت سيارته مركونةً في الموقف قرب المبنى الذي دخلنا منه عندما أتينا إلى هنا لأوّل مرّة، والذي  يبعد مئات الأمتار عن مكان وجودنا في تلك اللحظة. 

قال لي: "يمكننا أن نركض، وستختبئين في السيارة عندما نصل وأنا سأقود بسرعة".

فقلت له أنني "لا أملك أيّ أوراق شخصية أو جواز سفر". لقد تركت كل شيء في غرفة العمليات، لا أحمل معي سوى مفاتيح غرفتي وخزانتي.

فقال: "لا تقلقي. سيجد والدي وعمّي طريقة لنقلكِ إلى كابول". 

اتفقنا أخيراً على الخطوة التالية، ورأينا النار تدخل وتخرج من النافذة في الأعلى. وفجأةً ودون أيّ تردّد، قفز إلى الأعلى واستطاع الخروج من الحفرة بنجاح وبدأ الركض في المنطقة المفتوحة، وبقيت وحدي...في الظلام.

حاولت أن أقلّده وقفزت إلى النافذة في الأعلى ولكنني لم أستطع الوصول. نهضتُ من جديد وأعدتُ المحاولة وأنا أستند بجسمي على الحائط وأضع قدماي على الطرف المقابل لكي لا أسقط، ولكنني سقطتُ بقوّة. شعرت بالهلع وأنا أرى النار تلتهم النافذة فوقي وحرارتها تلفحُني، وبدأت بالصراخ لكي يعود ويخرجني، وسمعت صوته وهو يناديني ويقول لي أن أخرج من هناك فوراً. ثم سادَ الصمت.  

لا إجابة! لقد فقدت الأمل من عودتهِ وفشلتْ محاولات الخروج المتكررة.

وقعت على الأرض وأنا أبكي وقد أصابني اليأس المطلق. بكيت على نفسي، وأحلامي التي لم أحققها بعد، وخططي المستقبليّة، وعائلتي والحزن الذي سأسبّبه لهم، فلو بقيت معهم وتلقيتُ تدريباً خاًصاً لما حدث ذلك. وكذلك أصدقائي الذين لن أراهم مرّةً أخرى، وعلى الشاب الصغير الذي مات على سرير العمليات عندما وقع الهجوم، وعلى الرجل المسنّ الذي فقد ولده، وعلى كل الجهد والعمل الذي وضعناه في هذا المستشفى وعلى سكّان قندوز جميعاً.

انتابني شعور بالخيبة والمرارة في قلبي لأن السماء لم تستجب لأمنيتي الوحيدة في عيد مولدي الذي صادف يوم وصولي إلى أفغانستان، والأمنية ببساطة أن أبقى سالمةً.

 

شعرت بالغضب الشديد ، وأردت  أن أفرّغ هذا الغضب بشييء أو شخصٍ ما. أردت أن ألكمَ أحدهم في وجهه، لقد كانَ غضباً عارماً. شعرت بالحقد على طرفَي هذه الحرب البلهاء، وأردت أن أريَهم حجم الدمار الذي يلحقونه بالمدنيين، وكيف سيشعرون لو كانت عائلاتهم هي المستهدَفة، هل سيستمرون في القتال حينها؟

انتابني الخوف  أيضاً، ولا أريد أن أُدفن وأنا على قيد الحياة.

بكيت بلا توقف، و الدموع تُخرج معها كلّ خوفي وإحباطي.

وفجأةً، ساد الهدوء  وتذكرتُ أنني جرّاحةٌ وأنّ عليّ إنقاذ نفسي لأنه لا يوجد من يُنقذني، وبدأت التفكير بحلٍّ للخروج. خلعت حذائي وقمت بدراسة تفاصيل المكان الذي أنا فيه.لم أجد حفرةً في الجدار المرتفع لكي أضع قدمي فيها وأتسلق إلى الأعلى، ولكنني رأيت قطعةً صغيرةً من الفولاذ تتدلى من الزاوية اليمنى فقفزتً لالتقاطها. كانت القطعة شديدة الحرارة وتحرقُ يدي،  وكتفي على وشكِ أن يُخلع من مكانه لكنني لم أفلتها ولم أبالي بما سيحدث. لا أتذكر جيداً ما الذي فعلته أو ما الذي حدث بعد ذلك، ولكنني استطعت الخروج من الحفرة بعد دقائق قليلة. شعرت بالارتياح لرؤية زميلي مختبئاً قرب حديقة الأزهار وهو ينتظرني، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ كبيرة عندما رآني. توجهت إليه وأنا أسير بشكل منخفض وأسمع صوته وهو يطلب مني أن أنخفض أكثر. شعرت بأن مئزري يحترق بسبب الأجزاء المتطايرة من المبنى المحترق فتدحرجت على الأرض لأطفئ النار. وعندما توقف سيل الرصاص في الجوار، بدأنا الزحف باتجاه المبنى الذي يبعد عنّا أمتاراً قليلة. كنّا في منتصف الطريق تقريباً حين خرجَ شخصٌ مجهولٌ من قلب الظلام. تملّكني الخوف، وتمنيت ألا أتعرض للاختطاف بعد أن نجوت من الموت بأعجوبة!  

لقد كان رجلاً يرتدي الزيَّ الأفغاني التقليدي، وقال لنا الكلمات التي لن أنساها ما حييت: "اتبعاني، هناك مكانٌ آمن".